الصفحة 26 من 89

فإن الصيام الذي أوجبه الله تعالى على عباده في هذا الشهر الكريم ، يتجاوز معناه مجرد ترك الطعام والشراب و أرشد صلى الله عليه وسلم إلى ذلك حين قال عليه الصلاة والسلام: (( قال الله تعالى: كل عمل ابن له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جُنّة ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ، ولا يجهل ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم ) ) (55) . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى معلقًا على الحديث: فلا يرفث: المقصود بالرفث الكلام الفاحش ، وهو يطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته ، وعلى ماذكره مع النساء أو مطلقًا ، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها . وقوله: فلا يجهل: أي لا يفعل شيئًا من أفعال الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك . اهـ (56) وفي هذا الحديث بيان للمشروعية التي شرع من أجلها الصيام . إن الكف عن أعراض الناس بعدم الجهل أو التطاول عليها أمر حددته مشروعية الصيام ، وإذا لم نحققه في حياتنا واقعًا ملموسًا فإن في صومنا قدح وشرخ لمخالفتنا لهذه الوصية العظيمة من وصايا نبينا صلى الله عليه وسلم . ولك أن تتأمّل هذه الوصية جيدًا ثم تعرض حال الصائمين عليها خلال أيام صومهم لتجد فرقًا وبونًا شاسعًا بين هذه الوصية وواقع الناس أثناء صومهم . ولك أن ترى ذلك الصائم الذي جاع وعطش من أثر الصيام وبان ذلك على محياه ثم في الوقت ذاته لا تجده يرعوي عن الخصومة الجائرة لأدنى خلاف ، ثم قد يتجاوز في خصومته الأدب الإسلامي فيسب من خاصمه ، ويقدح في عرضه ، ويفشي سره ، ويهتك عرضه ناسيًا أو متناسيًا هذا التوجيه الرباني العظيم فأي معنى للصيام ؟ ولك أن ترى في صورة ثانية ذلك الذي يجلس المجالس الطويلة فلا تجد ما يتحدث به غير الغيبة التي يتسلى بها على أعراض المسلمين ، فيذكر من أخبارهم ، وحياتهم ما يقدح في أشخاصهم ، ويثلب مقاماتهم ، ونسي المسكين أنه أبخس صومه حين تجاوز هذه المحرمات ، فصام بطنه عن الطعام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت