الصفحة 17 من 89

لقد كان القرآن الكريم مدرسة ربانية تربى فيها المسلمون الأوائل حينما أدركوا أن الفلاح والنجاح منوطًا بالإقبال على هذا القرآن وفهم معانية ، ولذلك كانت قراءتهم قراءة تدبُّر ، وفهم للمعاني ، ونقلت لنا السير حال القوم عند قراءة القرآن والإقبال عليه فهذا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء . (33) . وبات ليلة من الليالي يقرأ آية ويرددها حتى بلق الفجر وهي قوله تعالى: (( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم . ) )سورة المائدة (118) ، وهذا ابن مليكة رحمه الله تعالى يقول: سافرت مع ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ من مكة إلى المدينة فكان يقوم نصف الليل فيقرأ القرآن حرفًا حرفًا ثم يبكي حتى تسمع له نشيجًا ويقول اسحاق ابن إبراهيم الطبري عن الفضيل ابن عياض ـ رحمه الله تعالى ـ كانت قراءته شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنسانًا ، وكان إذا مرّ بآية فيها ذكر الجنة يردد فيها ويسأل . وعن سعيد ابن جبير ـ رحمه الله تعالى ـ أنه ردد قوله تعالى: (( واتقوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله ) )البقرة (281) .. وردد قول الله تعالى: (( فسوف يعلمون * إذِ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يُسحبون ) )غافر (71) ، وروي أنه أحرم بنافلة فاستفتح إذا السماء انفطرت فلم يزل فيها حتى نادى مناد السحر . وعن عامر ابن عبد قيس ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قرأ ليلة سورة المؤمن ، فلما انتهى إلى قوله تعالى (( وأنذرهم يوم الآزفة إذِ القلوب لدى الحناجر كاظمين ) )غافر (18) ، فلم يزل يرددها حتى أصبح ، ونقل عنه أنه قرأ قوله تعالى (( فقالوا ياليتنا نُرد ولا نكذّب بآيات ربنا ) )الأنعام (27) . فجعل يبكي ويرددها حتى أسحر . وردد الحسن البصري رحمه الله ليلة: (( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) )النحل (18) ، حتى أصبح فقيل له في ذلك فقال: إن فيها معتبرًا ما نرفع طرفًا ولا نرده إلا وقع على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت