ولما افتربنا من عيرن الماء ، تاقت أنفسنا إلى السباحة ، فنزلنا جميعًا إلا صالحًا ظل واقفًا في مكانه ينظر إلينا وكأنها نظرة مودع ... دعوته إلى النزول فأبدى عدم رغبته في ذلك ، وكان قد نسي ملابس السباحة ... لكنه بعد لحظات أقبل علينا وقد لبس ملابس رياضية استعارها من أحد الأخوة ، ولما هم أن يلقي بنفسه في الماء ؛ التفت فرأى رجلًا من بعيد في يده سيجارة ، فأبى إلا أن يذهب إليه وينصحه ، فاستجاب الرجل ، وألقى ما في يده .. وعاد صلح ..ووقف على حافة العين ، وكأنه يريد منا أن نفسح له ليأخذ مكانه بيننا ..فقضينا وقتًا ممتعًا داخل تلك العين ، ولم نكن نعلم أن ملك الموت كان قريبًا منا في تلك اللحظات .. لقد كان في تلك العين فتحة صغيرة تسمى ( القصبة ) قطرها لا يزيد عن قطر إطار السيارة .. كان الأطفال الصغار يدخلونها ، ويذهبون إلى قرابة مترين ونصف المتر تحت الماء حتى يصلوا إلى منطقة فيها منسم ، فيستريحون قليلًا ثم يخرجون ..وكثيرًا ما كنا نفكر في اقتحام هذه القصبة ، لكنّ أحدًا منا لم يجرؤ على ذلك ، مع أن الأمر يبدو في ظاهره سهلًا ..
وفجأة ، ونحن مشغولون بمطاردة الكائنات المائية الصغيرة ، ينسل صالح ويدخل لك القصبة ، وكأنه يريد أن يقول لنفسه: إذا كنت اليوم تخافين دخول مثل هذه القصبة ، فكيف بد غدًا إذا لقيتِ أعداء الله في أعماق البحار وقمم الجبال ..
"أوصيك بالتسجيلات" (1) قالها صالح لأحد الإخوة ، وهي أخر كلمة سمعناها منه فلم نلقِ لها بالًا ...
وحضر طعام الإفطار .. كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا ...انتظرنا صالحًا فلم يأتِ ، فقلنا: لعله ذهب لقضاء الحاجة أو نحو ذلك ... وطال انتظارنا فأصابنا القلق .. وطفقنا نبحث عنه يمينًا وشمالًا ، شرقًا وغربًا فلم نعثر له على أثر...
أين ذهب صالحٌ ؟! سؤال دار في أذهاننا جميعًا ... لكنا لم نجد له جوابًا ...
(1) كان بائعًا في إحدى محلات التسجيلات الإسلامية .