وبعد ساعة من الزمن ساورتنا الشكوك وخشينا أن يكون داخل العين ، ولكننا استبعدنا ذلك ، ومع ذلك حاول بعضنا دخول القصبة وإزالة الشك باليقين ، ولكن لا جدوى ؛ فقد كانت ضيقة ، والدخول فيها يعد مخاطرة .
وأكرمنا الله - عز وجل - بمجيء صبي صغير ماهر في السباحة ، فطلبنا منه الدخول والتحري ، وبعد دقائق خرج إلينا وكلنا ننظر إليه في لهفة ووجل ، فقال: لا أحد هنا .. كدنا نطير من الفرح ، وحمدنا الله - عز وجل - فصالح لا يزال بخير إن شاء الله ... لكنا فرحتنا لم تدم طويلًا ؛ فقد جاء أحد المزارعين من أهل المنطقة وأخبرنا أن ماء هذا العين يخرج من هاهنا - وأشار إلى ناحية منها - ثم قال: أرى أن الماء لا يخرج كالعادة ، وأظن أن صاحبكم داخل العين قد حبس خروج الماء بجسمه ..
نظر بعضنا إلى بعض وقد عقدت الدهشة ألسنتنا ، وأيقنا أن صالحًا - إن كان الأمر كما قال هذا الرجل - لن يخرج حيًا .. فلا أحد يستطيع البقاء داخل تلك القصبة أكثر من دقائق معدودة .
الرجل المدخن الذي نصحه صالح كان قريبًا منا يسمع ما نقول: وكان ماهرًا في السباحة فقال: أنا آتيكم بالخبر اليقين ... ولم يمض دقائق معدودة حتى عاد إلينا فزعًا ، وقال: إن صاحبكم داخل القصبة ، واظنه لم يمت بعد ..
فأسرعنا وطلبنا الدفاع المدني ، ولكن بعد فوات الأوان ، فخرج صالح ، ولكن خرج جثة هامدة بلا روح ... وقد ظهر على جسمه علامات وقشوط تدل على أنه لاقى من شدة الموت وسكراته ما تتصدع منه الجبال ...
ومن الذي دلّ على موته ؟ إنه الرجل الذي نصحه صالح قبل وفاته بزمن يسير ... رحمك الله يا صالح ... شهيد إن شاء الله .. فأنت غريق (1) .
وأنت داعية قبل موتك بدقائق ، تقول: يا أخي ، اترك التدخين فإنه حرام ومدمر ..
(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله"أخرجه الترمذي .