من أجل هذا ما رحل علامة من علماء الإسلام إلا وقد ترك آثارًا إصلاحية وعلمية كبيرة ينهل من معينها الصافي المصلحون، ويجدّ في تحصيلها والغوص إلى دررها ومعانيها العالمون، وسيبقى أجرها جاريًا لمن ورَّثها بإذن الله تعالى، وقد قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) (يس) أي: ما قدموا من الأعمال والآثار التي أثاروها وخلفوها من بعدهم، من علم ودعوة ودلالة على خير .. ونحوه. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» [] .
ومع ما حبا الله تعالى به أولئك العلماء الذي أنا بصدد الكتابة عنهم من وفرة العلم، وتبحرهم في فنونه، وانشغالهم الدائم في نشره وتعليمه والدعوة إليه، وإجابة من يستفتي عن مسائله، والسعي في مصالح الناس، وإيصال المعروف والإحسان إليهم؛ فقد كانوا - رحمهم الله تعالى - متابعين لقضايا المسلمين، فهم يسألون عن أحوالهم وأخبارهم، ومن ذلك ما سأذكره لكل عالم على حدى، مع تبين دوره البارز في بعض المواقف والتي تنبأ على صدق علمه وانتمائه لعقيدة التوحيد، وعقيدة الولاء والبراء لله ولرسوله والمؤمنين، وخشيته لله وأنه لا يخشى في الله لومة لائم - ولا نزكي على الله أحد - وهذا الجانب من شخصية هؤلاء العلماء - رحمهم الله - لا يعرفه كثير من الناس.
ومن باب الوفاء والإكرام، وإنزال الناس منازلهم، واحترام كبيرهم والعطف على صغيرهم، وتكريم عالمهم، والحلم على جاهلهم كان لا بدّ أن أذكر سيّر تلك الثلة الطيبة والكوكبة المباركة من علماء أهل السنة والجماعة.