فالصحابة أفقه الأمة، وأبرهم قلوبًا،وأعمقهم علمًا،وأقلّهم تكلفًا،وأصحهم قصودًا،وأكملهم فطرة،وأتمهم إدراكًا،وأصفاهم أذهانًا:شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل،وفهموا مقاصد الرسول،وليس من سمع وعلم ،ورأى حال المتكلم كمن كان غائيًا لم ير ولم يسمع، أو سمع وعلم بواسطة،أو وسائط كثيرة.
وعليه فالرجوع إلى ماكان عليه الصحابة من الدين والعلم متعيّن-قطعًا- على من جاء بعدهم ممن لم يشركهم في تلك الفضيلة (فضيلة الصحبة) .
وعليه ،فإن أهل السنَّة والحديث المشتغلين بعلم الرسول -صلى الله عليه وسلم-وعلم بطانته من أصحابه وحواريه،هم أعلم الناس بهذا الموروث،فتكون أحوالهم في الديانة علمًا وفهمًا،وعملًا،واعتقادًا،لها ثقلها،واعتبارها في فهم مراد الله ورسوله،ولهذا كان الأخذ بالفتاوى الصحابية والآثار السلفية أولى من آراء المتأخرين وفتاويهم،وأن أقربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر النبوة،فكلما كان العهد بالرسول -صلى الله عليه وسلم- أقرب كان الصواب فيه أغلب،وهذا الحكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد من أفراد المسائل ،فعصر التابعين وإن كان أفضل من عصر تابعيهم ،فإنما ذلك بحسب الجنس،لا بحسب كل شخص،وهكذا الصواب في أقوالهم وفتاويهم،فالتفاوت بين علوم المتقدمين وعلوم المتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين [1] .
و قد حث علماء الأمة وأئمتها على لزوم منهج السلف والسير في ركابهم وترسم خطاهم وأكدوا على هذا الأصل ودندوا به كثيرًا؛فإنَّ من شعار أهل السنة السلفيين أهل الحديث والأثر كابرًا عن كابر بيان منزلة الصحابة والسلف الصالح عندهم ،حتى صاروا يذكرون ذلك في جملة عقائدهم ،مظهرين مباينتهم للمنتقصين لهم ،والغالين فيهم من فرق وطوائف أهل الأهواء والبدع كالرافضة والخوارج والمعتزلة والجهمية و...
(1) انظر:"اعلام الموقعين" (1/79،80) و (4/147-150) و (4/118) ،و"مختصر الصواعق" (2/345،346) .