إذا عرفت هذا فإنّ الله تعالى أوجب على العباد أن يتقوه بحسب استطاعتهم وأصل التقوى معرفة ما يتقى ثم العمل به ،فالواجب على كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله، وما خفي عليه فهو فيه أسوة أمثاله ممن عدا الرسول ،فليس أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلا وقد خفي عليه بعض أمره ،فإذا أوجب الله سبحانه على كل أحد ما استطاعه وبلغته قواه من معرفة الحق وعذره فيما خفي عليه منه فأخطأ أو قلد فيه غيره ،كان ذلك هو مقتضى حكمته وعدله ورحمته ،بخلاف ما لو فرض على العباد تقليد من شاءوا من العلماء ،وأن يختار كل منهم رجلا ينصبه معيارا على وحيه ،ويعرض عن أخذ الأحكام واقتباسها من مشكاة الوحي، فإن هذا ينافي حكمته ورحمته وإحسانه ،ويؤدي إلى ضياع دينه وهجر كتابه وسنة رسوله ،كما وقع فيه من وقع ،وبالله التوفيق [1] .
وأما الأصل الرابع والأخير وهو التأكيد على أهمية:
ممن يؤخذ العلم والدين:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( البركةُ مع أَكَابِرِكُم ) ) [2] .
قال المناوي -رحمه الله-في شرحه لمعنى الأكابر:
"المجربين للأمور المحافظين على تكثير الأجور فجالسوهم لتقتدوا برأيهم وتهتدوا بهديهم ،أو المراد من له منصب العلم وإن صغر سنه فيجب إجلالهم حفظًا لحرمة ما منحهم الحق سبحانه وتعالى.." [3] .
(1) انظر:"اعلام الموقعين" (2/264) .
(2) أخرجه ابن حبان (559) ،والحاكم (1/62) ،والبيهقي في"شعب الإيمان" (7/463) ،وابن عدي في"الكامل" (2/77) و (5/259) ،وأبونعيم في"الحلية" (8/171،172) ،والخطيب البغدادي في"تاريخ بغداد" (11/165) ،والقضاعي في"مسند الشهاب" (36) ،وابن عساكر في"تاريخ دمشق" (46/279) ،والرافعي في"التدوين في تاريخ قزوين" (4/108-109) ،وصححه الحاكم وأقره الذهبي،وصححه الألباني في"السلسلة الصحيحة" (4 / 380) .
(3) "فيض القدير" (3/220) .