الصفحة 23 من 314

أشجار#

ونوابت كل ذلك بانتظام وتدبير وتسخير تنبهر لها العقول ما يدل على قدرة مصرفها وعلمه وحكمته ورحمته الواسعة ولطفه الشامل مما يوجب أن يؤله ويعبد ويفرد بالمحبة والتعظيم والخوف والرجاء. وفي (الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس) وهي السفن والمراكب ونحوها مما ألهم الله عباده صنعتها وخلق لهم من الآلات ما أقدرهم عليها ثم سخر لها هذا البحر العظيم والرياح التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال والبضائع التي هي من منافع الناس وبها تقوم مصالحهم وتنتظم معائشهم (وما أنزل الله من السماء من ماء) وهو المطر النازل من السحاب (فأحيا به الأرض بعد موتها) فأظهرت من أنواع الأقوات وأصناف النبات ما هو من ضرورات الخلائق التي لا يعيشون بدونها (وبث فيها من كل دابة) أي نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة وسخرها للناس ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع فمنها ما يأكلون من لحمه ويشربون من دره ومنها ما يركبون ومنها ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم ومنها ما يعتبر به وفي ذلك دليل على قدرته وعظمته ووحدانيته وسلطانه العظيم. وفي (تصريف الرياح) باردة وحارة وجنوبًا وشمالا وشرقًا وغربًا وبين ذلك وتارة تثير السحاب وتارة تؤلف بينه وتارة تلقحه وتارة تدره وتارة تمزقه وتزيل ضرره وتارة تكون رحمة وتارة ترسل بالعذاب وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير فيسوقه الله إلى حيث شاء فيحيي به البلاد والعباد ويروي به التلول والوهاد وينزله على الخلق وقت حاجتهم إليه فينزله رحمة ولطفًا ويصرفه عناية وعطفًا.

أخبر الله تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة آيات أي أدلة على وحدانيته وألوهيته، وعظيم سلطانه ولكنها (لقوم يعقلون) أي لمن لهم عقول يعملونها فيما خلقت له ويتفكرون بها في صنع الله ويستدلون بهذه المخلوقات على قدرة الله ويستعينون بنعمه على طاعته فلله الحمد أولا وآخرًا وباطنًا وظاهرًا وله الحمد في السماوات والأرض والدنيا والآخرة سبحانه لا نحصي ثناء عليه.

ما يستفاد من هذه الآيات سوى ما تقدم:

1 -إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى وإلهيته ونفيها عن غيره من المخلوقين، وبيان أصل الدليل على ذلك وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم واندفاع جميع النقم.

2 -مشروعية التفكر في مخلوقات الله ومصنوعاته، والاستدلال بها على توحيده وقدرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت