4 - (توحيد الله بالأدلة)
قال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} . قال البغوي: سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا يا محمد صف لنا ربك وانسبه فأنزل الله هذه الآية وسورة الإخلاص.
قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) يخبر تعالى أنه إله واحد أي متوحد متفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله فليس له شريك في ذاته ولا سميَّ له ولا كفوًا ولا مثيل ولا نظير ولا خالق ولا مدبر غيره، فإذا كان كذلك فهو المستحق لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة ولا يشرك به أحد من خلقه لأنه (الرحمن الرحيم) المتصف بالرحمة العظيمة التي لا يماثلها رحمة أحد فقد وسعت كل شيء وعمت كل حي، فبرحمته أوجدت المخلوقات وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات وبرحمته اندفع عنها كل نقمة وبرحمته عرف عباده نفسه بصفاته وآلائه وبين لهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب فإذا كان هو المنفرد بجميع أصناف النعم فهو المستحق لجميع أنواع العبادة، وأن يفرد بالمحبة والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل والدعاء وغير ذلك من أنواع الطاعات؛ ففي هذه الآية دليل إجمالي على وحدانية الله تعالى ثم ذكر الأدلة التفصيلية فقال (إن في خلق السماوات) أي في ارتفاعها واتساعها وإحكامها وإتقانها وما جعل فيها من الشمس والقمر والنجوم وتنظيمها لمصالح العباد وفي خلق (الأرض) مهادًا وفراشًا للخلق يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها والاعتبار بذلك ما يدل على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقهم وحكمته التي بها أتقنها وأحسنها ونظمها وعلمه ورحمته التي أودع فيها ما أودع من منافع الخلق ومصالحهم وضروراتهم وحاجاتهم وفي ذلك أبلغ دليل على كماله واستحقاقه أن يفرد بالعبادة لانفراده بالخلق والتدبير والقيام بشؤون عباده.
وفي (اختلاف الليل والنهار) وهو تعاقبهما على الدوام إذا أذهب أحدهما خلفه الآخر وفي اختلافهما في الحر والبرد والتوسط والطول والقصر والتوسط وما ينشأ عن ذلك من الفصول التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم وجميع ما على وجه الأرض من