بهذه الرؤية أو 'الديانة الجديدة' انطلقت الحضارة الغربية تصنع نفسها بل ولم تكتفي بذلك بل أصبحت وحشا كاسرا لا هم له إلا البطش والتدمير والإفساد وتحويل الأرض إلى بؤرة من الصراعات الدموية الرهيبة، لا يكاد يخبوا صراع، حتى يشتعل غيره، ولا تكاد تهدأ أوضاع أمة حتى تتفجر أخرى، حتى بل وتغيير أهداف الحياة وبناء المجتمعات إلى اللهث وراء إشباع الشهوات كهدف لا يسمو عليه ولا يعلوه مقصد، بل كل هدف نبيل أو خلق رفيع ما هو إلا دون ووضاعة لا يلتفت إليه وبضاعة ليس لها وزن في عالم الأخلاق النفعية. وإليك أخي القارئ مثلا واحد وهو غيض من فيض وقطرة من بحر وهو لكاتب من أعمدة الفكر في الحضارة الغربية المعاصرة. يقول الكسيس كاريل مؤلف كتاب"الإنسان ذلك المجهول ص ص 35، 41":
(وهكذا تجد الديمويقراطيات نفسها وجها لوجه أمام مشاكل ضخمة عاتية، مشاكل تتصل بكيانها نفسه، وتتطلب حلا سريعا، ونحن ندرك أنه بالرغم من الآمال العريضة التي وضعتها الإنسانية في الحضارة المعاصرة فقد أخفقت هذه الحضارة في إيجاد رجال على حظ من الذكاء والجرأة يقودونها عبر الطريق الخطر الذي تتعثر فيه لأن بني الإنسان لم ينموا بنفس السرعة التي تثب بها الأنظمة من عقولهم ومن ثم فان أكثر ما يعرض الأمم العصرية للخطر هو النقص العقلي والأدبي الذي يعاني منه الزعماء السياسيون""
"إننا قوم تعساء لأننا ننحط أخلاقيا وعقليا. إن الجماعات والأمم التي بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم هي على وجه الدقة الجماعات والأمم الآخذة في الضعف والتي ستكون عودتها على البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها ولكنها لا تدرك ذلك"ثم يضيف قائلًا:
"وحقيقة الأمر أن مدنيتنا، مثل المدنيات التي سبقتها، أوجدت أحوالا معينة للحياة من شأنها أن تجعل الحياة نفسها مستحيلة...إن القلق والهموم التي يعاني منها سكان المدن العصرية تتولد عن نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية"