المال أو الحرفة كشروط في صحّة عقد النكاح أو لزومه. أما ما توافق عليه بعض الفقهاء في هذا المجال فهو نتيجة لمراعاة أعراف الناس ومسايرة عاداتهم فيما لا يخالف المبادئ العامّة، لكنّ بعضهم وقع في مثل هذه المخالفة.
4 -بعض الفقهاء يقول أنّ الجمهور يعتمد الكفاءة في النسب أو المال أو الحرفة كشرط لصحّة النكاح أو لزومه، هذا الكلام الشائع في كتب الفقهاء غير دقيق، إذ في كلّ مذهب خلاف كبير حول هذه المسائل، وتكاد لا تجد مذهبًا اتّفق فقهاؤه على رأي واحد. فعند أحمد روايتين والصحيح عدم الاشتراط، والرواية عن الشافعي أنّ الكفاءة في الدين فقط. وعند الأحناف خالف الكرخي والجصاص. فضلًا عن أنّ المالكية لا يعتبرون الكفاءة إلاّ في الدين.
5 -جميع الفقهاء الذين يعتبرون الكفاءة شرطًا في لزوم عقد النكاح يربطونها بأعراف الناس، لأنّ الدليل المعتمد عندهم - في غياب النصوص الصحيحة- هو الحرص على انتظام الحياة الزوجية، وهذا لا يتحقّق إلاّ عند مراعاة الأعراف في الكفاءة بين الزوجين. ولذلك فهم يقولون: أنه إذا تغيّرت الأعراف، ولم يعد النسب معتبرًا فإنه لا يعود شرطًا للكفاءة. وكذلك اختلف الأحناف حول اعتبار الكفاءة في المال، وهل يشترط فيها القدرة على المهر فقط أم على المهر والنفقة، وذلك بناءً على الاختلاف في أعراف الناس. كما قالوا بأنّ الكفاءة في الحرفة تتغيّر حسب الأعراف، وقد يعتبر الناس إحدى الحرف دنيئة، بينما يعتبرها غيرهم شريفة.
6 -الأعراف اليوم تغيرت كثيرًا سواء في البلاد العربية أو الإسلامية أو الغربية، ولم تعد الأنساب خالصة كما كانت سابقًا، ولم يعد التفاخر بها مقبولًا. كما اختلفت النظرة إلى كثير من الحرف التي كانت تعتبر دنيئة، وأصبح العمل في أي حرفة شرف لصاحبها - ما لم تكن حرامًا-. وقد كان لشيوع الوعي الإسلامي أكبر الأثر في تعديل الأعراف، كما أنّ الأعراف المعاصرة ساهمت في ذلك. يضاف إلى هذا أنّ ثلث المسلمين اليوم يعيشون كأقليات في بلاد غير إسلامية، ويتأثرون بأعرافها، كما أنّ المسلمين أنفسهم شاع بينهم التزاوج على اختلاف الجنسيات مما يجعل اعتبار النسب في الكفاءة نادرًا جدًا.
7 -بناءً على ذلك فإننا نرى حصر اعتبار الكفاءة بالدين والخلق.
-فهذا القدر من الكفاءة يكاد ينعقد عليه الإجماع.
-وتؤيده نصوص صريحة صحيحة سبق أن ذكرناها مع تخريجها.
-وتشهد له المبادئ العامّة الحاكمة، والمقاصد الشرعية.
-ولعدم وجود دليل نقلي صحيح على اعتبار سائر خصال الكفاءة.