ومن هنا يعلم أن معرفة الكسوف والخسوف عن طريق الحساب لا ينافي كونه آية من آيات الله التي يخوف بها عباده:
فإن الأسباب المادية للكسوف والخسوف لا تنافي المقاصد المعنوية، فإن الله تعالى وإن أجرى للكسوف أسبابًا مادية إلا أن مقصودها المعنوي قائم مراد لله تعالى [1] .
قال الحافظ ابن حجر:"قال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله:"يخوف الله بهما عباده"وليس بشيء لأن لله أفعالًا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها. وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى" [2] . قال الإمام ابن باز تعليقًا على كلام ابن دقيق العيد:"ما قاله ابن دقيق العيد هنا تحقيق جيد. وقد ذكر كثير من المحققين-كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم- ولكن لا يلزم من ذلك أن يصيب أهل الحساب في كل ما يقولون، بل قد يخطئون في حسابهم، فلا ينبغي أن يصدقوا ولا أن يكذبوا، والتخويف بذلك حاصل على كل تقدير لمن يؤمن بالله واليوم الآخر. والله أعلم" [3] . وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة:"قد يعرف وقت خسوف القمر وكسوف الشمس عن طريق حساب سير الكواكب ويعرف به كذلك كون ذلك كليًا أو جزئيًا ولا غرابة في ذلك؛ لأنه ليس من الأمور الغيبية بالنسبة لكل أحد، بل غيبي بالنسبة لمن لا يعرف علم حساب سير الكواكب، وليس بغيبي بالنسبة لمن يعرف ذلك العلم لكونه يستطيع أن يعرف بسبب عادي وهو هذا العلم، ولا ينافي ذلك"
(1) توضيح الأحكام (2/ 410) .
(2) فتح الباري (2/ 624 - 625) ، وقد نقل ابن حجر قول ابن دقيق بتصرف يسير. وانظر: قول ابن دقيق في إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 137 - 138) .
(3) تعليق ابن باز على فتح الباري (2/ 624) .