الصفحة 11 من 16

وقال العلامة الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-:"فإن قال قائل: كيف يجتمع السبب الحسي والشرعي، ويكون الحسي معلومًا معروفًا للناس قبل أن يقع، والشرعي معلوم بطريق الوحي، فكيف يمكن أن نجمع بينهما؟"

فالجواب: أن لا تنافي بينهما؛ لأن الأمور العظيمة كالخسف بالأرض، والزلازل، والصواعق، وشبهها التي يحس الناس بضررها، وأنها عقوبة، لها أسباب طبيعة، يقدرها الله حتى تكون المسببات، وتكون الحكمة من ذلك هي تخويف العباد، فالزلازل لها أسباب، والصواعق لها أسباب، والبراكين لها أسباب، والعواصف لها أسباب، لكن يقدر الله هذه الأسباب من أجل استقامة الناس على دين الله. قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الّذِي عَمِلُوا لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41] ، ولكن تضيق قلوب كثير من الناس عن الجمع بين السبب الحسي والسبب الشرعي، وأكثر الناس أصحاب ظواهر لا يعتبرون إلا بالشيء الظاهر، ولهذا تجد الكسوف والخسوف لما علم الناس أسبابهما الحسية ضعف أمرهما في قلوب الناس حتى كأنه صار أمرًا عاديًا، ونحن نذكر قبل أن نعلم بهذه الأمور أنه إذا حصل الكسوف رعب الناس رعبًا شديدًا، وصاروا يبكون بكاءً شديدًا، ويذهبون إلى المساجد خائفين مذعورين" [1] . ويحسن بنا أن نذكر حال النبي صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس في عهده، فنجده صلى الله عليه وسلم فزع فزعًا عظيمًا، قال في وصفه أبي موسى رضي الله عنه:"فقام النبي فزعًا يخشى أن تكون الساعة" [2] ، وكان من نتيجة هذا الفزع كما قالت أسماء رضي الله عنها:"ففزع فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه بعد ذلك" [3] ، قال النووي:"معناه أنه لشدة سرعته واهتمامه بذلك أرد أن يأخذ ردائه فأخذ درع بعض أهل بيته سهوًا ولم يعلم لاشتغال قلبه بأمر الكسوف فلما علم أهل البيت أنه ترك ردائه لحقه به إنسان" [4] . وقال ابن حجر:"يعني أنه أراد لبس ردائه فلبس الدرع من شغل خاطره بذلك" [5] . ثم لما ارتدى به، جعل يجره، أي لم يستقر ليوازن الرداء، قال أبي بكرة رضي الله"

(1) الشرح الممتع (5/ 177 - 178) .

(2) مر تخريجه (ص/6) .

(3) أخرجه مسلم (905) (16) .

(4) شرح صحيح مسلم للنووي (6/ 212) .

(5) فتح الباري (2/ 612) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت