الصفحة 34 من 59

وما زعمه الإمام من كون الروايات اتفقت على ما ذكر غريب في باب العلم وعجيب في تفسير القرآن ،بل الروايات مختلفة في ذلك،وكذا أمر الجدري لم تتفق الروايات على وقوعه في جيش أبرهة ، بل لم تشر أي رواية إشارة صريحة إلى وقوعه فيهم إلا رواية عكرمة.ثم إن القضية ليست في وقوع الجدري في جيش أبرهة أو عدم وقوعه ، فهذا أمر لم يشر إليه القرآن لا بإثبات ولا نفي ،بل القضية هي تأويل الطير على أنه البعوض أو الذباب ، وتأويل الحجارة من سجيل بالجراثيم107.والحال أن السورة صريحة بإرسال الطير، وهي مكية،والمخاطبون بها، وفيهم كثير من أعداء الرسول ،رأوا هذه الطيور، ولو لم يروها لبادروا إلى تكذيب القرآن، (ولا يقبل أن يقال إنهم رأوا المكروب أو الجراثيم لأنهم لا يستطيعون رؤيتها، ولا يقال إنهم رأوا الذباب أو البعوض لأنهم لا يرون الحجارة التي تحملها فكان لابد أن يكونوا رأوا طيرا ورأوا الحجارة التي تحملها،ورأوا الرمي، ولا يهم بعد ذلك أن يكون هلاك الجيش بمجرد وقوع الحجر أو أن تكون هذه الحجارة قد أصابته بمرض من الأمراض ، فالقرآن لم يصرح بذلك ، بل ذكر هلاكهم بهذا العقاب الشديد) 108.

هذا فضلا عن أن هذه الجراثيم لا علم للعرب بها وقت نزول القرآن بل هي من مكتشفات الطب الحديث ،و (العربي إذا سمع لفظ الحجارة في هذه السورة -الفيل- لاينصرف ذهنه إلى تلك الجراثيم بحال من الأحوال ، وقد جاء القرآن بلغة العرب ، وخاطبهم بما يعهدون ويألفون) 109.

وقد وافق العقاد الشيخ محمد عبده في رأيه لكن على سبيل الجواز لا على سبيل الجزم، قائلا: (فإذا قال المفسر إن هزيمة أصحاب الفيل ربما كانت من فعل هذه الجراثيم فذلك قول مأمون على سبيل الجواز والترجيح ، ولكنه غير مأمون على الجزم والتوكيد، لأن الحفريات التاريخية قد تكشف لنا غدا عن حجارة من سجيل أصيب بها أصحاب الفيل فجعلتهم كعصف مأكول) 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت