والذي جعل العقاد يركب هذا المركب أنه أراد أن يجلو صور العظمة كما يفهمها البشر،وتوجه بكتابه لا للمؤمنين برسالة محمد فحسب بل وأيضا لغير المؤمنين بها،ولذلك جاء كتابه خلوا من كل أثر للمعجزات.وإذا كان العقاد قد وفق في إبراز جوانب العظمة والعبقرية وملكة التخطيط والتنظيم في شؤون الحرب عند النبي ، فإنه أخطأ حين جعل العامل الأساس في ذلك امتيازه الذاتي ومواهبه الفطرية، وتغافل عن عوامل أخرى تتصل بعالم الغيب (فهناك وعد الله ورعايته وتوفيقه وملائكته المقاتلون والنعاس الذي يغشيه الناس أمنة والمطر الذي يطهرهم والرياح التي تقتلع خيام المشركين وتثبيته لأفئدة المقاتلين وقذفه الرعب في قلوب الكافرين وقدره النافذ، مائة عامل وعامل هيأت أسباب النصر فكانت الغلبة لجند الإيمان جند الله ) 103.
وقس على هذا سائر جوانب العبقرية الأخرى التي تحدث عنها العقاد فقد اكتفى بذكر الأسباب المادية وأظهره مجرد إنسان يعمل بمواهبه النامية وملكاته المتفتحة وأغفل ذكر الأسباب الغيبية التي شكلت مكونا رئيسا في حياته صلى الله عليه وسلم.
وقد أعجب الشيخ مصطفى صبري بكتاب العقاد في بعض مباحثه،لكنه عارضه لكونه من دعاة العبقرية ومروجيها بدل النبوة ومعجزاتها.إلا أن مؤلفه في نظر الشيخ مصطفى صبري لم يتورط في السخافات التي تورط فيها غيره من دعاة العبقرية ومنكري المعجزات أمثال زكي مبارك وفريد وجدي ومحمد حسين هيكل والشيخ شلتوت104.
وحتى يتجلى موقف هؤلاء واضحا من مسألة المعجزات، أسوق هاهنا أمثلة على ذلك،وقسمتها إلى معجزات قبل النبوة وأخرى بعدها:
المطلب الأول:معجزات قبل النبوة:
1-معجزة الطير الأبابيل:
وهي معجزة ثابتة بنص القرآن، قال تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل،ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول) 105.