الصفحة 31 من 59

وممن نحا هذا المنحى أيضا محمد عزة دروزة في كتابه (سيرة الرسول: صور مقتبسة من القرآن الكريم) فهو لا يسلم بصحة المعجزات المروية في مصادر السيرة ، خاصة تلك التي وقعت في مكة بناء على تحدي الكفار، وحجته في ذلك (سكوت القرآن عنها مع فترة تحدي الكفار، واقتصار الأجوبة القرآنية على السلب،هذا إلى أن الروايات غير متواترة ولا وثيقة، وكثير منها إن لم نقل أكثرها لم ترد في المدونات القديمة إلى ما فيها من تخالف كبير في الوقت نفسه!) 100.

والعجيب كيف يدعي الكاتب أن هذه المعجزات غير متواترة، وكيف يفهم التواتر ، وقد وقع أكثرها في محافل المسلمين وجموعهم ورواها الجماء الغفير ، وتواترت رواياتها في كتب الحديث وفي مقدمتها الصحيحان، وأجمعت عليها كتب السيرة؟.

ثم إن الكاتب قد سبق له الطعن في مدونات السيرة القديمة فكيف اطمأن إليها الآن في تأييد رأيه بدعوى أن أكثر هذه المعجزات لم يرد في هذه المدونات!مع أن واقع هذه المدونات واشتمالها على أكثر المعجزات النبوية مفصح بخلاف ما قاله.وإن استناد دروزة للموقف السلبي للقرآن إزاء تحدي الكفار في إنكار كثير من المعجزات لا يسلم له، فالقرآن الكريم صريح في تعليل ذلك ،قال عز وجل: (وما منعنا أن نأتي بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) 101 فلا معنى لإجابة قوم ديدنهم التكذيب والعناد لا التصديق والإيمان.

وممن سار في هذا المسار أيضا محمود عباس العقاد في كتابه (عبقرية محمد) ،يقول: ( إنما نجحت دعوة محمد لأنها دعوة طلبتها الدنيا ومهدت لها الحوادث ، وقام بها داعية تهيأت له بعناية ربه وموافقة أحواله وصفاته، فلا حاجة بها إلى خارقة ينكرها العقل أو إلى علة عوجاء يلتوي بها ذوو الأهواء، فهي أوضح شيء لمن أحب أن يفهم وهي أقوم شيء سبيلا لمن استقام) 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت