أما بعد:
فقد أتى علينا برهة من الدهر، وأنا كاره الاشتغال بتصنيف ما يشوبه شيء من جنس الكلام من الكتب، وكان أكثر شغلنا بتصنيف كتب الفقه التي هي خلو من الكلام في الأقدار الماضية، التي قد كفر بها كثير من منتحلي الإسلام، وفي صفات الله عز وجل التي قد نفاها، ولم يؤمن بها المعطلون، وغير ذلك من الكتب التي ليست من كتب الفقه.
وكنت أحسب أن ما يجري بيني وبين المناظرين، من أهل الأهواء في جنس الكلام في مجالسنا، ويظهر لأصحابي الذين يحضرون المجالس والمناظرة من إظهار حقنا على باطل مخالفينا في المناظرة كاف من تصنيف الكتب على صحة مذهبنا، وبطلان مذاهب القوم، وغنية عن الإكثار في ذلك.
فلما حدث في أمرنا ما حدث مما كان الله قد قضاه، وقدر كونه مما لا محيص لأحد، ولا موئل عما قضى الله كونه في اللوح المحفوظ قد سطره من حتم قضائه، فمنعنا عن الظهور، ونشر العلم، وتعليم مقتبسي العلم بعض ما كان الله قد أودعنا من هذه الصناعة.