إلى أن ابتعد عن خطته هذه و أن أترجمها كما لو كانت من نوع «المثنوى» ، فتجاسرت بذلك على أن أحدث بها شيئا من التغيير في القافية و الوزن كما يفعل الشرقيون أنفسهم في أغلب الأحوال، و قد سبق لى أن ذكرت في ص 464 من الجزء الأول من «تاريخ الأدب في إيران» إن العرب و الفرس كانوا إذا شاؤا إظهار براعتهم في الترجمة نظما من الفارسية إلى العربية أو من العربية إلى الفارسية فإنهم كانوا يؤدون الترجمة في وزن مخالف للوزن الأصلى. أو يؤدون «المثنوية الفارسية» في «قصيدة عربية «1» ». فإذا راعينا أن هاتين اللغتين يستعملان طريقة واحدة في العروض لا تستعملها اللغة الإنجليزية، و راعينا كذلك أن أهل هاتين اللغتين قد أباحوا لأنفسهم عند الترجمة عدم التقيد بالأصل من حيث الوزن و القافية وجدنا أنفسنا- و قد حرمنا من هذه الميزات التى مهدت لهم- معذورين حقا إذا تابعنا مثالهم و لم نحرص عند الترجمة على الاحتفاظ بالوزن أو القافية.
و لما كان الحديث في هذا المكان مقصورا على ضروب النظم فسأسوق أمثلة قليلة لهذا النوع من القصائد الموحدة القافية التى لم أستطع المحافظة على قافيتها في ترجمتى لأن «القصيدة» عادة تتركب من أبيات عديدة تزيد كثيرا على ما يتركب منه «الغزل» و قد تزيد في أغلب الأحوال على المائة بيت.
و أول أمثلتى التى أسوقها للقصيدة عبارة عن ستة أبيات من مرثية «الشيخ سعدى الشيرازى» لمدينة بغداد عندما أغير عليها المغول و قتلوا الخليفة العباسى الأخير «المستعصم باللّه» و أهل بيته. و لهذه القصيدة أهمية خاصة لأنها تصور لنا الأثر الذى تركته هذه الغارة المفزعة في نفس واحد من المسلمين المعاصرين. و قد نقلت هنا الأبيات الستة الأولى منها كما هى مذكورة في الجزء الأول من كتاب «خرابات» تأليف «ضيا پاشا «2» » و القصيدة برمتها تبلغ الواحد و العشرين بيتا و هى من نوع الرمل المثمن المحذوف.
(1) كما فعل «البندارى» أحيانا في ترجمته العربية للشاهنامه.
(2) أنظر ص 156 من الجزء الأول من «خرابات» طبع القسطنطينية سنة 1291 ه.