للغاية ليس فيها شى ء من المتانة أو الصناعة؛ و لو أن أحدا من الشعراء في هذه الأيام أقدم على عرض أشعار شبيهة بهذه الأبيات في مجلس الأمراء و السلاطين لاستوجب إنكار الجميع له و لأقواله. و لكن من الجائز أن نقول أن الأستاذ «الرودكى» كان خبير بالأوتار و الموسيقى فاستطاع أن ينشى ء لحنا عرض فيه هذه الأبيات على وقع الأغانى و الأنغام فحلت محل القبول و الإعجاب. و مع ذلك فلا يجوز لنا أن نستخف بشأن الرودكى بسبب هذه الأبيات، فمما لا جدال فيه أنه كان خبيرا بسائر العلوم و الفنون و الفضائل كما كان يجيد القول في سائر ضروب الشعر و خاصة «القصائد» و «المثنويات» مما جعله عظيم الشأن مقبول القول لدى الخاص و العام.
الأسلوب الفارسى و الصناعة البديعية:
يتصور كثير من الناس أن «الآداب الفارسية» تمتاز بأنها مصطنعة متكلفة تمتلى ء بالصناعات البديعية و تزخر بالمجازات و الاستعارات؛ و لكن هذا الرأى ليس صحيحا إلا فيما يتعلق بمجموعة من الآداب نشأت في ظروف خاصة و بيئات خاصة كالتى نشأت في كنف الفاتحين الأجانب من «المغول» أو «الأتراك» . فتاريخ المغول الذى ألفه «1» «الوصاف» حوالى سنة 1328 م- 729 ه هو من أكبر الأمثلة على هذا الأسلوب المصطنع الملى ء بالمحسنات البديعية. و كذلك نجد أن «روضة الصفا «2» » و «أنوار سهيلى» «3» و كذلك طائفة من التأليفات المعاصرة التى نشأت في رعاية الأمراء التيموريين في نهاية القرن الخامس عشر و بداية السادس عشر (- القرن العاشر الهجرى) كلها تقوم دليلا على صدق هذا الرأى الذى ذهبنا
(1) هذا التاريخ عنوانه «تجزية الأمصار و تزجية الأعصار» و يعرف اختصارا باسم «تاريخ الوصاف» و مؤلفه هو أبو عبد اللّه بن فضل اللّه الشيرازى.
(2) من تأليف محمد بن خاوند شاه المعروف ب «مير خواند» المتوفى سنة 903 ه- 1497 م.
(3) عبارة عن كتاب «كليلة و دمنه» بلغة فارسية كثيرة المحسنات البديعية، و هو من إنشاء «حسين واعظ كاشفى» المتوفى سنة 910 ه- 1504 م.