فالطامة كبرى، و البلاء شامل، و الفتك الذريع نصيب للصغير و الكبير و القوى و الحقير و العالم و الجاهل. و لقد كان من دأبهما أن يعلفا الخيول في المساجد و أن يحرقا المكتبات، و أن يجعلا الكتب الثمينة طعاما للنيران و المواقد، و أن يخربا المدن العامرة حتى تستوى أعاليها بأسافلها، و أن يقتلا كل كائن فيها حتى تصبح خرابا يبابا لا تصلح لزرع أو ضرع.
و من رأيى أن هناك فجوة تفصل بين ما سبق هذه الكارثة و ما تلاها، فقد أنزلت بالحضارة الإسلامية و العلوم و الآداب كثيرا من الانحطاط الذى لم يمكن إصلاحه حتى الآن. و من أجل ذلك فلا غرابة إذا احتجنا في دراسة فترة القرنين و النصف القرن التى سبقت هذه الكارثة إلى مثل الجهد و النطاق اللذين نحتاج إليهما في دراسة القرون السبعة التى أعقبتها «1» .
النهضة الفارسية:
بحثنا في الجزء الأول كيف نشأت «النهضة الفارسية» و كيف تطورت حتى انتهت إلى ظهور «الفردوسى» و أقرانه من الشعراء المعاصرين، و لا بأس من أن نعيد هنا في إجمال ما سبق لنا شرحه في تطويل و تفصيل.
المعروف وفقا لما ذكره «عوفى» و هو أقدم من ترجم لشعراء الفرس في القرن الثالث عشر الميلادى (أوائل القرن السابع الهجرى) أن أول من أنشأ قصيدة فارسية هو شخص يسمى «العباس» ، أنشأها ليستقبل بها المأمون عند قدومه إلى «مرو» في سنة 193 ه- 808 - 809 م و قد أخذ الدكتور «ايتيه» هذه النبذة المستقاة من «لباب الألباب» و فيها أربعة أبيات من هذه القصيدة فترجمها و نشرها في مقال ممتع عنوانه: «السابقون و اللاحقون للرودكى «2» ».
و لكنى أختلف معه في الرأى فيما يتعلق بهذه القصيدة و أتابع رأى «كازمرسكى «3» »
(1) المترجم: في الأصل القرون الستة و نصف القرن و قد أضفت إليها نصف قرن مضى منذ كتابة هذا الكتاب.
(2) عنوانه بالألمانية: Rudagi's Vorlaufer und Zeitgenossen ;pp 36 - 38
(3) المقصود به: A .de Biberstein Kazimirski