ومنفتحها، وساكنها ومتحركها، ومضغوطها ومهتوتها، ومنحرفها ومشرّبها، ومستويها ومكررها، ومستعليها ومنخفضها، إلى غير ذلك من أجناسها» (1) .
وابن جني في هذا الاسترسال السلس يعطينا مهمة الفكر الصوتي في تحقيق المصطلحات بعامة عن طريق تشخيص المسميات التي أسماها، وإن سبق إلى بعضها عند الخليل وسيبويه وهو لا يكتفي بهذا القدر حتى يبحث الفروق، ويعين المميزات ويذكر الخصائص لكل حرف من هذه الأصناف، ويفرق بينها وبين الحركات، مع لوازم البحث ومقتضياته، إلمامًا بجميع الجوانب، وتنقيبًا عن كل النوادر المتعلقة بهذه الأبواب فيقول:
«وأذكر فوق مابين الحرف والحركة، وأين محل الحركة من الحرف: هل هي قبله أو معه أو بعده؟ وأذكر أيضًا الحروف التي هي فروع مستحسنة، والحروف التي هي فروع مستقبحة، والحركات التي هي فروع متولدة عن الحركات، كتفرع الحروف من الحروف. وأذكر أيضًا ما كان من الحروف في حال سكونه له مخرج ما، فإذا حرك أقلقته الحركة، وأزالته عن محله في حال سكونه، وأذكر أيضًا أحوال هذه الحروف في أشكالها، والغرض في وضع واضعها، وكيف ألفاظها ما دامت أصواتًا مقطعة، ثم كيف ألفاظها إذا صارت أسماء معرفة، ما الذي يتوالى فيه إعلالان بعد نقله، مما يبقى بعد ذلك من الصحة على قديم حاله، وما يمكن تركبه ومجاورته من هذه الحروف وما لا يمكن ذلك فيه، وما يحسن وما يقبح فيه مما ذكرنا، ثم أفرد ـ فيما بعد ـ لكل حرف منها بابًا أغترف فيه ذكر أحواله وتصرفه في الكلام من أصليته وزيادته، وصحته وعلته، وقلبه إلى غيره، وقلب غيره إليه» (2) .
إن هذا المنهج يكشف عن عمق الفكر الصوتي عند ابن جني إذ يعرض فيه عصارة تجاربه الصوتية دقيقة منظّمة، ويتفرغ لبحث أصعب المشكلات الصوتية بترتيب حصيف يتنقل فيه من الأدنى إلى الأعلى، ومن البسيط إلى المركب حتى إذا تكاملت الصورة لديه، بدأ بالبحث المركز،
(1) ابن جني، سرصناعة الإعراب: 1>3 ـ 4.
(2) المصدر نفسه والصفحة.