موسيقى للصوت فيما يجلبه من وقع في الأذن، أو أثر عند المتلقي، يساعد على تنبيه الأحاسيس في النفس الإنسانية، لهذا كان ما أورد القرآن الكريم في هذا السياق متجاوبًا مع معطيات الدلالة الصوتية: «التي تستمد من طبيعة الأصوات نغمتها وجرسها» (1) . فتوحي بأثر موسيقي خاص، يستنبط من ضم الحروف بعضها لبعض، ويستقرأ من خلال تشابك النص الأدبي في عبارته، فيعطي مدلولًا متميزًا في مجالات عدة: الألم، البهجة، اليأس، الرجاء، الرغبة، الرهبة، الوعد، الوعيد، الانذار، التوقع، الترصد، التلبث ... إلخ.
ولا شك أن استقلالية أية كلمة بحروف معينة، يكسبها صوتيًا ذائقة سمعية منفردة، تختلف ـ دون شك ـ عما سواها من الكلمات التي تؤدي المعنى نفسه، مما يجعل كلمة ما دون كلمة ـ وإن اتحدا بالمعنى، لها استقلاليتها الصوتية، إما في الصدى المؤثر، وإما في البعد الصوتي الخاص، وإما بتكثيف المعنى بزيادة المبنى، وإما بإقبال العاطفة، وإما بريادة التوقع، فهي حينًا تصك السمع، وحينًا تهيء النفس، وحينًا تضفي صيغة التأثر: فزعًا من شيء، أو توجهًا لشيء، أو طمعًا في شيء؛ وهكذا.
هذا المناخ الحافل تضفيه الدلالة الصوتية للألفاظ، وهي تشكل في القرآن الوقع الخاص المتجلي بكلمات مختارة، تكونت من حروف مختارة، فشكلت أصواتًا مختارة، هذه السمات في القرآن بارزة الصيغ في مئات التراكيب الصوتية في مظاهر شتى، ومجالات عديدة، تستوعبها جمهرة هائلة من ألفاظه في ظلال مكثفة في الجرس والنغم والصدى والإيقاع.
قال الخطابي (ت: 383 ـ 388 هـ) إن الكلام إنما يقوم بأشياء ثلاثة: «لفظ حاصل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح، ولا أجزل، ولا أعذب من ألفاظه» (2) .
(1) إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ: 46.
(2) الخطابي، بيان إعجاز القرآن: 27.