الصفحة 65 من 267

وبذلك صور الرمانى الايجاز- في رأى الدكتور شوقى ضيف- تصويرا نهائيا بحيث لم يضف إليه البلاغيون التالون شيئا «1» .

وانتقل إلى التشبيه، فعرفه بأنه «العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حسّ أو عقل» وبذلك قسم التشبيه إلى حسى وعقلى، وسمى الأول تشبيه حقيقة والآخر تشبيه بلاغة. وعرض بالتفصيل للتشبيه العقلى وطبقاته في الحسن، وقال أنه يأتى على وجوه، منها إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، كتشبيه أعمال الكفار بالسراب في الآية الكريمة «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا» (النور- 39) ومنها إخراج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت بعادة كتشبيه ارتفاع الجبل بارتفاع الظلة في الآية الكريمة (وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ(الأعراف- 171) ، ومنها إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة، مثل (وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ(الحديد- 21) ومنها إخراج ما لا قوة له في الصّفة إلى ما له قوة في الصفة مثل (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ) (الرحمن- 14) .

وعلى هذا النحو يمتاز تشبيه البلاغة بأنه يقرن الأغمض بالأوضح فيتبين وينكشف. ومثلما بحث التشبيه بحثا دقيقا بحث أيضا الاستعارة «2» ، وهى عنده «تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة» ويقول: كل استعارة لا بدّ فيها من مستعار، ومستعار له ومستعار منه، ويقول أيضا: إن الاستعارة الحسنة هى التى توجب بلاغة بيان لا تنوب منابه الحقيقة، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه الحقيقة، كانت أولى، ولم تجز الاستعارة، وكل استعارة، فلا بد لها من الحقيقة، وهى أصل الدلالة على المعنى في اللغة، كقول امرئ القيس في فرسه (قيد الأوابد) والحقيقة فيه (مانع الأوابد) و (قيد الأوابد) أبلغ وأحسن، ويعرض أمثلة مختلفة مصوّرا فيها فضل الاستعارة على الحقيقة وأنها أبلغ في قوة البيان.

(1) الدكتور شوقى ضيف- البلاغة تطور وتاريخ- 104.

(2) الرمانى- النكت في اعجاز القرآن- 79 - 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت