الصفحة 64 من 267

وراح الرمانى يضرب لنا الأمثال موضحا ما ذهب إليه، وكان ذلك في صورة حوار فلسفى أشتهر به المتكلمون، يقوم على افتراض سؤال من السائل ثم الرد عليه بقوله «فإن قال قائل كذا قيل له كذا ... » وهذه الأسئلة في حقيقة أمرها هى آراء المعارضين لهم.

كان ما سبق، هو الجانب الكلامى من جهد الرمانى في الإعجاز، وإذا كان لم يسهب فيه القول، فلأنه أفاض الحديث في الوجه السابع من وجوه الإعجاز عنده، وهو الجانب البلاغى.

فالقرآن الكريم معجز لبلاغته، وللأسباب الستة الأخرى التى ذكرها الرمانى.

وهو لا يرى أن البلاغة مجرد أفهام المعنى، لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيى أى مخلّط في الكلام، مضطرب في عقله. وليست البلاغة تحقيق اللفظ على المعنى، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غثّ مستكره، ونافر متكلّف، إنما البلاغة «إيصال المعنى إلى القلب في حسن صورة من اللفظ» .

ثم يفصل هذا التعريف بأن البلاغة على ثلاث طبقات، عليا ووسطى ودنيا، والعليا هى بلاغة القرآن والوسطى والدنيا هى بلاغة البلغاء حسب تفاوتهم في البلاغة، ثم توقف عند الإيجاز، ويعرفه بأنه تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى «ثم يقول أنه على وجهين إيجاز حذف هو ما سقطت فيه كلمة للاستغناء عنها بدلالة غيرها من الحال، أو من فحوى الكلام، كحذف الأجوبة في القرآن في مثل «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى» «1» (الرعد- 31) إذ لم يذكر الجواب كأنه قيل: لكان هذا القرآن. ومما ساقه من أمثلة هذا النوع، قوله تعالى (وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ) (يوسف- 82) أى أهل القرية، والوجه الثانى، أو النوع الثانى للإيجاز، ايجاز القصر، وهو بناء الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف مثل «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ» «2» (البقرة- 179) .

(1) الرمانى- النكت في إعجاز القرآن 69.

(2) نفس المصدر 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت