الصفحة 63 من 267

وكل داع يدعو إلى مثله وهو مع ذلك ممكن له، فلا يجوز ألّا تقع شربة منه حتى يموت عطشا لتوفر الدواعى على ما بينا، فإن لم يشربه مع توفر الدواعى له دل على عجزه عنه، فكذلك توفر الدواعى إلى المعارضة على القرآن لما لم تقع المعارضة دل ذلك على العجز عنها.

التحدى للكافة:

يقول: وأما التحدى للكافة فهو أظهر، في أنهم لا يجوز أن يتركوا المعارضة مع توفر الدواعى إلا للعجز عنها.

وأما الصّرفة: فهى صرف الهمم عن المعارضة، وعلى ذلك كان يعتمد أهل العلم، في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التى دلت على النبوة ويقول: وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التى يظهر فيها للعقول.

وأما الأخبار عن الأمور المستقبلة: فإنه لما كان لا يجوز أن تقع على الاتفاق دل على أنها من عند علّام الغيوب، فمن ذلك قوله عز وجل «وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ» [الأنفال- 8] فكان الأمر كما وعد من الظّفر بإحدى الطائفتين، العير التى كان فيها أبو سفيان أو الجيش الذين خرجوا يحمونها من قريش، فأظفرهم اللّه عز وجل بقريش يوم بدر على ما تقدم به الوعد إلى غيرها من الأمثلة المعروفة.

وأما نقض العادة: فإن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة، منها الشعر ومنها السجع، ومنها الخطب، ومنها الرسائل، ومنها المنثور، الذى يدور بين الناس في الحديث- فيأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة.

وأما قياسه بكل معجزة: فإنه يظهر إعجازه من هذه الجهة، إذ كان سبيل فلق البحر وقلب العصا حية وما جرى هذا المجرى في ذلك سبيلا واحدا في الإعجاز، اذ خرج عن العادة، وقعد الخلق فيه عن المعارضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت