الصفحة 75 من 161

الريب فلا يشي. برّ فأكثر، ومهّد ووثّر، وأدفأ ودثّر، ورقّى بسور استنزاله

فأثّر. فلمّا أزحت الكلفة وأقضمت جوادي العلفة، وأعجبتني من رفقاء

الرفق الألفة، رمقت في بعض السقائف آمنا في زيّ خائف، وشيخا طاف

منه بالأرض طائف، وسكن حتى اليمامة والطائف، جنيب عكّاز ومثير

شيب أثيث الوفرة، وقسي ضلوع تؤثّر بالزفرة، حكم له بياض الشيبة

بالهيبة، وقد دار بذراعه للسبحة الرقطاء حنش، كما اختلط روم وحبش،

والى يمينه دلو فاهق، وعن يساره تلميذ مراهق، وأمامه حمار ناهق، وهو

يقول:

هم أسكنونا في ظلال بيوتهمظلال بيوت أدفأت وأكنّت

أبوا أن يملّونا ولو أن أمّناتلاقي الذي يلقون منا لملّت

حتى إذا اطمأن حلوله، وأصحب ذلوله، وتردّد إلى قيّم الخان زغلوله،

واستكبر لما جاءه بما يهواه رسوله، استجمع قوّته واحتشد، ورفع عقيرته

وأنشد:

أشكو إلى الله ذهاب الشبابكم حسرة أورثني واكتئاب

سدّ عن اللذات باب الصبافزارت الأشجان من كل باب

وغربة طالت فما تنتهيموصولة اليوم بيوم الحساب

وشرّ نفس كلّما هملجتفي الغي لم تقبل خطام المتاب

يا رب شفّع في شيبي ولاتحرمني الزّلفى وحسن المآب

ثم أنّ، والليل قد جنّ، فلم يبق في القوم إلا من أشفق وحنّ، وقال

وقد هزّته أريحيّة، على الدنيا سلام وتحيّة، فلقد نلنا الأوطار وركبنا

الأخطار، وأبعدنا المطار وافترقنا الأقطار، وحلبنا الأشطار. فقال فتاه، وقد

افترّت عن الدرّ شفتاه، مستثيرا لشجونه، ومطلعا لنجوم همّه من دجونه،

ومدلا عليه بمجونه. وماذا بلغ الشيخ من أمدها أو رفع من عمدها حتى

يقضى منه عجب، أو يجلى منه محتجب؟ فأخذته حميّة الحفاظ لهذه الألفاظ،

وقال أي بنيّ، مثلي من الأقطاب، يخاطب بهذا الخطاب!! وأيم الله لقد

عقدت الحلق، ولبست من الدهر الجديد والخلق، وفككت الغلق، وأبعدت

في الصبوة الطلق، وخضت المنون، وصدت الضبّ والنون، وحذقت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت