يَدُلَّ عَلَى تَحَتُّمِ الثَّوَابِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ) أَيْ: أَمَالُوا رُءُوسَهُمْ وَأَقْبَلُوا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى صُدُورِهِمْ وَسَكَتُوا وَسَكَنُوا (كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ) بِالرَّفْعِ لِكَوْنِمَا كَافَّةً عَنْ عَمَلِ مَا قَبْلَهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا لِإِجْلَالِهِمْ إِيَّاهُ لَا يَتَحَرَّكُونَ فَكَأَنَّ صِفَتَهُمْ صِفَةُ مَنْ عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ يُرِيدُ أَنْ يَصِيدَهُ فَهُوَ يَخَافُ أَنْ يَتَحَرَّكَ فَيُوجِبُ طَيَرَانَ الطَّائِرِ وَذَهَابَهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ، وَلَا يَتَحَرَّكُونَ حَتَّى يَصِيرُوا بِذَلِكَ عِنْدَ الطَّائِرِ كَالْجُدْرَانِ وَالْأَبْنِيَةِ الَّتِي لَا يَخَافُ الطَّيْرُ حُلُولًا بِهَا، وَلَا وُقُوفًا عَلَيْهَا، وَفِي النِّهَايَةِ وَصَفَهُمْ بِالسُّكُونِ وَالْوَقَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ طَيْشٌ، وَلَا خِفَّةٌ؛ لِأَنَّ الطَّائِرَ لَا تَكَادُ تَقَعُ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ سَاكِنٍ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَصْلُهُ أَنَّ الْغُرَابَ إِذَا وَقَعَ عَلَى رَأْسِ الْبَعِيرِ فَيَلْتَقِطُ مِنْهُ الْحَلَمَةَ وَالْحَنَّانَةَ يَعْنِي: صِغَارَ الْقُرَادِ فَلَا يُحَرِّكُ الْبَعِيرُ رَأْسَهُ لِئَلَّا يَنْفِرَ عَنْهُ الْغُرَابُ لِمَا يَجِدُ فِيهِ الرَّاحَةَ انْتَهَى.
فَشَبَّهَ حَالَ جُلَسَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ تَكَلُّمِهِ عَلَيْهِمْ وَتَبْلِيغِهِ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْمَوَاعِظَ الْحِكَمِيَّةَ إِلَيْهِمْ بِحَالِ ذَلِكَ الْبَعِيرِ لِكَمَالِ مَيْلِهِمْ وَتَلَذُّذِهِمْ بِاسْتِمَاعِ كَلَامِهِ حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سُكُونَهُ وَانْقِطَاعَ نُطْقِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا أَمَرَ الطَّيْرَ أَنْ تَظَلَّ عَلَى أَصْحَابِهِ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ، وَلَا يَتَكَلَّمُوا حَتَّى يَسْأَلَهُمْ مَهَابَةً مِنْهُفَإِنَّ أَدَبَ الظَّاهِرِ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ فَقِيلَ لِلْقَوْمِ إِذَا سَكَتُوا مَهَابَةً كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَالَ جُلَسَائِهِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ اخْتِيَارُ السُّكُوتِ وَالسُّكُونِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِهِ (فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا) فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَبْتَدِئُونَ بِالْكَلَامِ، وَلَا يَتَكَلَّمُونَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْأَدَبِ (لَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ) الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى لَا يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ أَوْ لَا يَخْتَصِمُونَ عِنْدَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَلِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا) أَيْ: سَكَتُوا وَاسْتَمَعُوا (لَهُ) أَيْ: لِكَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ عِنْدَهُ (حَتَّى يَفْرَغَ) أَيِ: الْمُتَكَلِّمُ مِنْ كَلَامِهِ أَوْ مِنْ مَقْصُودِهِ وَمَرَامِهِ (حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ) أَيْ: حَدِيثُ كُلِّهِمْ أَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ (عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -(حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ) أَيْ: كَحَدِيثِ أَوَّلِهِمْ فِي عَدَمِ الْمَلَالِ مِنْهُ أَوْ فِي الْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ إِذِ الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِالْمَلَالِ وَضِيقِ الْبَالِ إِذَا كَثُرَ الْمَقَالُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ السَّلَفِ وَيُؤَيِّدُهُ نُسْخَةُ"أَوَّلِهِمْ"بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ مَعْنًى، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَفْضَلِهِمْ فِي الدِّينِ أَوْ أَوَّلِهِمْ قُدُومًا انْتَهَى، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْقُدُومَ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْعُلَمَاءِ الْمُدَرِّسِينَ وَالْمُتَّقِينَ مِنَ الْمُفْتِينَ وَيَحْتَمِلُ قُدُومًا فِي الْهِجْرَةِ أَوْ فِي الْإِسْلَامِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُدَرِّسِينَ حَيْثُ إِنَّهُ يُقَدِّمُ الْأَفْضَلَ فَالْأَفْضَلَ إِمَّا فِي ذَاتِهِ أَوْ فِي عَمَلِهِ الَّذِي يَقْرَأُ فِيهِ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ مِيرَكُ بِأَنَّ مَنْ أَوَّلَهُ بِأَنَّ أَفْضَلَهُمْ أَوَّلُهُمْ قُدُومًا فَقَدْ تَعَسَّفَ