تَعَسُّفًا شَدِيدًا بَارِدًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ أَيْ: أَفْضَلِهِمْ إِذْ كَانَ لَا يَتَقَدَّمُ غَالِبًا بِالْكَلَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَّا أَكَابِرُ أَصْحَابِهِ فَكَانَ يُصْغِي لِحَدِيثِ كُلٍّ مِنْهُمْ كَمَا يُصْغِي لِحَدِيثِ أَوَّلِهِمُ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الْتِئَامِهِ بَيْنَ أَوَّلِ تَقْرِيرِهِ وَآخِرِ كَلَامِهِ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: حَدِيثُ جَمِيعِهِمْ إِنَّمَا كَانَ حَدِيثَ أَفْضَلِهِمْ فَإِنَّمَا كَانُوا يَكْتَفُونَ بِكَلَامِ أَوَّلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَبْنَى وَأَفْهَمُ بِالْمَعْنَى، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُهُمْ إِذَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ قَبِلَهُ مِنْهُ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ مُوَافِقُوهُ عَلَيْهِ غَالِبًا لِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَأَلُّفِ قُلُوبِهِمْ وَكَمَالِ اتِّفَاقِهِمْ، قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِمْ بِقَوْلِهِ"أَوَّلِهِمْ"أَسْبَقَهُمْ فِي الْكَلَامِ لَا أَفْضَلَهُمْ فِي الْمَقَامِ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ الْمَرَامِ (يَضْحَكُ) أَيْ: يَبْتَسِمُ (مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ) أَيْ: بِالْمُشَارَكَةِ فِي اسْتِحْسَانِ الْأَحْوَالِ (وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ) أَيْ: مِنْهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ أَيْ: فِي اسْتِغْرَابِ الْأَفْعَالِ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ هَذَا مَنْ قَالَ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ (وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ) أَيْ: لِمُرَاعَاةِ حَالِهِ (عَلَى الْجَفْوَةِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَقَدْ يُكْسَرُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ أَيْ: عَلَى الْجَفَاءِ وَالْغِلْظَةِ وَسُوءِ الْأَدَبِ مِمَّا كَانَ يَصْدُرُ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، وَقَدْ وَرَدَ"مَنْ بَدَا جَفَا" (فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ) الضَّمِيرَانِ لِلْغَرِيبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ إِذَا جَفَاهُ فِي مَقَالِهِ وَسُؤَالِهِ (حَتَّى أَنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أَيْ: إِلَى أَنْ (كَانَ أَصْحَابُهُ لَيَسْتَجْلِبُونَهُمْ) أَيْ: يَتَمَنَّوْنَ مَأْتَى الْغُرَبَاءِ إِلَى مَجْلِسِهِ الْأَقْدَسِ، وَمَقَامِهِ الْأَنْفَسِ؛ لِيَسْتَفِيدُوا بِسَبَبِ أَسْئِلَتِهِمْ مَا لَا يَسْتَفِيدُونَهُ فِي غَيْبَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَهَابُونَ بِسُؤَالِهِ، وَالْغُرَبَاءُ لَا يَهَابُونَ فَيَسْأَلُونَهُ عَمَّا بَدَا لَهُمْ لِيُجِيبَهُمْ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَجِيئُونَ مَعَهُمْ بِالْغُرَبَاءِ فِي مَجْلِسِهِ مِنْ أَجْلِ احْتِمَالِهِ عَنْهُمْ وَصَبْرِهِ عَلَى مَا يَكُونُ فِي سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا مَمْنُوعِينَ عَنْ سُؤَالِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ نَهْيُهُمْ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ كَمَا فِي الْأَرْبَعِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا (مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) .
قَالَ مِيرَكُ: لَكِنَّ مَعْنَى الْغَايَةِ الَّتِي فُهِمَتْ مِنْ حَتَّى لَا