الصفحة 90 من 106

الإصابة والمرض والضرب مع أن من أذى اللسان ما هو أعظم إيلامًا على المؤمن الحق كسبّ المولى سبحانه وتعالى أو الدين أو الرسول (أو القذف ونحو ذلك.

قال تعالى على لسان رسله: (وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( [إبراهيم:12] ، والشاهد أن من الرسل والأنبياء قد أصيب أو سجن أو قتل.

وفي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي قتادة الأنصاري أنه كان يحدّث أن الرسول (مر عليه بجنازة فقال:(( مستريح ومستراح منه ) )قالوا: يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه قال: (( العبد المؤمن مستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب ) ). والشاهد أن أذى الدنيا يشمل كل ما تقدم.

وقال شيخ الإسلام: (( مجموع الفتاوى 15/ 136 ) ).

(( وما لقي النبي وأصحابه من أذى المشركين أعظم من مجرد الحبس فإن يوسف حبس وسكت عنه والنبي أصحابه كانوا يؤذون بالأقوال والأفعال مع منعهم من تصرفاتهم المعتادة ) ).

ومع كل ذلك فإن المؤمن يبتلى على قدر إيمانه الأمثل فالأمثل، والسر في ذلك أن البلاء في مقابلة النعمة فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد [1] ، ومن خلال المشاهدة والسماع نرى أن من يتوكل على الله ولو في الكفاية من الإصابة ونحوها فإنه يكفيه. ومثاله رجل رأى رجلًا من أهل الشر يشرب الخمر وتوقع [2] إن أنكر عليه أن يؤذيه فاستجمع قواه وتقواه واستحضر أن التوكل سبب في الكفاية وأن الله كافية ما أهمه، فأنكر عليه وكفاه الله ما أهمه، بل تجد بعضهم قد يتوب.

ومما يجدر ذكره أن هناك علاقة بين استحضار التوكل في مثل هذه المواقف والكفاية، وقد أشار المولى (إلى ذلك في نصوص كثيرة وقد تقدم قول نوح وهود عليهما السلام، وكذلك قول المؤمنين في قوله تعالى:

(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ( [آل عمران: 173 - 174] .

أي إذا أراد العبد التوكل على الله في أمر يحتاج إلى كفاية؛ فليستحضر قلبه أن الله كافيه، ثم يحق له أن يقول ذلك بلسانه.

(1) فتح الباري 10/ 112/ باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول.

(2) قال تعالى (إِنَّمَا ذلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ( [آل عمران:175] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت