الصفحة 88 من 106

ثم قال: والمقصود هنا الكلام على التوكل فإن الذي عليه الجمهور أن المتوكل يحصل له بتوكله من جلب المنفعة ودفع المضرة ما لا يحصل بغيره، وكذلك الداعي، والقرآن يدل على ذلك في مواضع كثيرة ثم هو سبب عند الأكثرين وعلامة [1] عند من ينفي الأسباب، قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًًا ( ... [الطلاق:2 - 3] .

والحسب: الكافي، فبيَّن أنه كاف من توكل عليه وفي الدعاء يا حسب المتوكل، فلا يقال هو حسب غير المتوكل كما هو حسب المتوكل؛ لأنه علق هذه الجملة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط؛ فيمتنع في مثل ذلك أن يكون وجود الشرط كعدمه ولأنه رتب الحكم على الوصف المناسب له فعلم أن توكله هو سبب كونه حسبًا له؛ ولأنه ذكر ذلك في سياق الترغيب في التوكل كما رغب في التقوى، فلو لم يجعل للمتوكل من الكفاية مالا يحصل لغيره لم يكن ذلك مرغبًا في التوكل كما جعل التقوى سببًا للخروج من الشدة وحصول الرزق من حيث لا يحتسب ...

قال تعالى: (وَآتَيْنَآ مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا( [الإسراء:2] ، فأمر أن يُتَّخذ وكيلًا ونهى أن يتخذ من دونه وكيلًا؛ لأن المخلوق لا يستقل بجميع حاجات العبد والوكالة الجائزة أن يوكل الإنسان في فعل يقدر عليه فيحصل للموكل بذلك بعض مطلوبة، فأما مطالبه كلها فلا يقدر عليها إلا الله ... فلو كان الذي يحصل للمتوكل على الله يحصل وإن توكل على غيره أو يحصل بلا توكل لكان اتخاذ بعض المخلوقين وكيلًا أنفع من اتخاذ الخالق وكيلًا وهذا من أقبح لوازم هذا القول الفاسد ) ) أ. هـ

2 -التوكل وحصول الكفاية:

أ- قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُ ( [الطلاق:3] .

ب- قال شيخ الإسلام [2] :قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ( [يونس:71] ، وكذلك قال عن هود لما قال قومه: (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهِ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُون إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ

(1) أي أن حصول الكفاية علامة على حسن التوكل وليس التوكل سببًا في حصول الكفاية.

(2) (( جامع الرسائل / ص 96/ رسالة في تحقيق التوكل ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت