التوضيح الثاني:
لا يلزم من حسن عمل القلب في عمل جارحة واحد أن تكون أعمال القلب حسنة في بقية الأعمال الجارحة والعكس صحيح ومثاله:
أ- حديث صاحب البطاقة:
وهو رجل من هذه الأمة يأتي يوم القيامة ومعه تسعة وتسعون سجلًا من السيئات كل سجل مثل مد البصر ومعه بطاقة فيها الشهادتان فتوزن له أعماله فتطيش السجلات من ثقل البطاقة [1] .
الشاهد: عمله القلبي القوي - الإخلاص واليقين - لم يثمر أعمالًا أخرى لا قلبية ولا جارحة [2] ، ومع ذلك كان حسابه وزنًا لا منّة، وهذا الفرق يجب أن ينتبه له.
ب- صاحب الوصية الجائرة:
والشاهد منه: أن رجلًا لم يعمل خيرًا قط أوصى أولاده إن مات أن يحرقوه ويذروا نصفه في البر ونصفه الآخر في البحر، فأمر الله بجمعه ثم قال له: لِمَ فعلت هذا؟ قال: من خشيتك وأنت أعلم، فغفر له [3] .
فمع أنه بلغ من عمل القلب - الخشية - ما بلغ، إلا أنه لم يثمر أعمالًا أُخرى.
ثمار هذين التوضيحين:
1 -أن لا يظن المسلم أن هذه الصلاة لا تصلح إلا لصفوة المسلمين، فهذا من تلبيس إبليس لييأس العبد من روح الله، فهو قد وعد وتوعد بأن يقعد لنا على الصراط المستقيم، والله (وعد وتوعد، فانظر ماذا تقدِّم؟
2 -على كل مسلم أن يستثمر كل طاعة يقدر عليها أو يشعر أنه نشيط فيها، لكي ينمّي ويقوّي إيمانه من خلالها، فالأمثلة التي مرت معنا كان أسبابها أعمالًا قلبية واحدة وكانت متنوعة من حيث نوع العمل ونوع الشخص.
العمل الأول: إخلاص في الدعاء من كافر.
العمل الثاني ...: إخلاص ويقين من مسلم.
العمل الثالث: خشية عظيمة أنتجت عملًا منهيًا عنه عُذِرَ صاحبه بالجهل [4] .
الخلاصة: كل ما ورد يقودنا إلى أهمية إحياء عمل القلب وألاّ نحقر من المعروف شيئًا.
(1) حديث صحيح أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه أيضًا الألباني في السلسلة وصحيح الجامع.
(2) لمزيد من الفائدة انظر/ الانتصار للألباني/ الفصل الأول/ المبحث الثاني/ الدليل التاسع/ حديث البطاقة.
(3) أخرجه البخاري ومسلم.
(4) وشرع ما قبلنا شرع لنا ما لم يأتِ دليل بخلافه.