الصفحة 58 من 342

كذلك فقد طرح، في نهاية الاحتمالات التى ذكرها تفسيرا لهذا التشابه المزعوم في الألفاظ المشار إليها، الاحتمال القاضى بعدم تأثير اللغات السامية والآرية بعضها في بعض، بل رجوع المجموعتين بالأحرى إلى أصل مشترك، وإن كان قد أخر هذا الفرض من جهة، كما أنه لم يتحمس له من جهة أخرى. بل إن ما سبق أن قاله في أول الفصل يدل على أنه قد طرحه كـ"بَرْو عَتَب"، وإلا فلماذا لم يأخذ به بل أخذ بنقيضه تماما، ألا وهو التسليم من البداية بأن العرب قد أخذوا ألفاظ لغتهم من غيرهم إلا في الشاذ النادر كما بينتُ آنفا؟ ليس الألفاظ الحضارية فقط بل كذلك الألفاظ الأولية كالحياة والموت والأب والأم والأخ والأخت، والألفاظ المتعلقة أشد التعلق وأوثقه ببيئتهم كالحصان والمُهْر والقافلة والبئر والسِّدْرة والعَرَار والحج وغير ذلك. بل إنه (ص 543) لم يترك كلمات مثل"صحراء"و"صخر"و"حجر"و"صقر"دون أن يقول باستعارتها من المصرية القديمة، وكأن العرب، أو القوقازيين الذين انتقلوا إلى ما أصبح يسمى بعد ذلك بـ"الجزيرة العربية"لو سلمنا له بنظريته السخيفة التافهة المتهافتة، ظلوا يسكنون الصحراء ويشاهدون الصخور حولهم، ويرون الصقر يحوم في الجو فوق رؤوسهم ويستعينون به في الصيد، ويستعملون الحجر في كل أمور حياتهم حتى في نَصْب القدور عليها في العراء حين يوقدون تحتها النار لأمر أو لآخر، دون أن يعرفوا أن هذا يسمى: حجرا، أو أن ذلك يسمى: صقرا، أو أن تلك تسمى: صحراء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت