والحق أننى، حين أقرأ هذا الكلام، أشعر وكأننى أستمع لشخص في يده كأس عرقى وهو يشرب منها حتى ثمل لسانه وثقلت يده ونمل مخه، فكل فكرة يفكرها لا تذهب في الاتجاه الصحيح أبدا، وكل كلمة ينطقها لا يستطيع لسانه أن ينطقها على النحو الصحيح أبدا، وكل إشارة يأتيها بيده لتوضيح ما يريد أن يقوله لا يعرف كيف يؤديها على النحو الصحيح أبدا. إن الرجل يقيم من نفسه بعد فوات الأوان بأدهار وأدهار قَيِّمًا على اللغات البشرية كلها تقريبا فيقول إن هذا قد حدث على النحو الفلانى، وذاك على النحو العلانى، وذلك على النحو الترتانى، وإن هذا كان ينبغى أن يكون كذا، وذاك كان يجب أن يكون مَذَا ("مذا"هذه هى الإتباع الخاص بـ"كذا"كما كنا نسمعها من أستاذ الكيميا في السنة الأولى الثانوية بمدرسة الأحمدية بطنطا الأستاذ سيد عمارة، إذ كان يقول دائما:"كذا ومذا") . بل إنه ليبلغ به البكش غاية المدى حين يضع جدولا يؤرخ به للُّغة العربية ويجعلها طبقات بعضها فوق بعض، وكأنه يفحص طبقات قطعة من الأرض قد حفرها الحفارون وبانت أحشاؤها لعينيه، فتراه يتحدث عن هذه الطبقات وطبيعة كل منها بأسلوب الواثق الموقن (ص 70) !