رآه من الناس أنّه ميِّت منذ دهر، وقَدْ تَزكَّرَ بالانتفاخِ بدنُه. فكنتُ أتعجَّب مِنْ ذلك، إذْ مررْتُ في الزُّقاق الذي في أصل دار العبَّاسيّة ومنفَذه إلى مازن، فإذا جرو كلبٍ مهزولٌ سَىِّء الغذاء قد ضربه الصِّبيان وعقَروه ففرَّ منهم ودخل الزُّقاق، فرمى بنفسه في أصل أُسطُوانة وتبِعوه حتَّى هَجمُوا عليه، فإذا هو قد تَمَاوَتَ فضربوه بأرجلهم فلم يتحرَّكْ فانصرفوا عنه، فلمَّا جاوزُوا تأمَّلت عينَه، فإذا هو يفتَحُها ويُغمِضها، فلمّا بعدوا عنه وأمِنَهم عدا، وأخذَ في غير طريقهم، فأذهَبَ الذي كان في نفسي للثَّعلب، إذ كان الثَّعلب ليس فيه إلاَّ الرَّوَغان والمكر، وقد ساواه الكلبُ في أجودِ حِيَلهِ"."
وفى كتاب اليُوسِىّ:"زهر الأَكَم في الأمثال والحِكَم"، وهو أيضا (ثلاثة أيمان بالله العظيم) لم يكن مصريا قط، بل مغربيا من أهل القرن السابع عشر الميلادى:"الثعلب... موصوف بالمكر والاحتيال، مشهور بذلك. ومن مكره إنّه إذا رأى الغلبة عليه تماوت حتى لا يُشَكّ في موته فإذا غُفِل عنه وثب هاربا". أما الريح المنتنة التى يقال إنه يخرجها من بطنه حين يتحقق أنه سيقع في الحصار ولا يستطيع الإفلات فقد كنت أسمعها وأنا صبى صغير من أولاد الفلاحين من جيرتنا ممن يذهبون دائما إلى الحقول ويشاهدون الثعالب ويعرفون الكثير عن طبائعها وسلوكها، بيد أننى لم أستطع العثور على شىء من هذا صريح وأنا بصدد تجهيز هذه الدراسة رغم ما بذلته من جهد للوصول إلى حقيقة هذا الأمر في المشباك، وإن كانت حكاية الجاحظ وكلام البقلى واليوسى يقتضى ذلك.