وهذه حال أقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم . ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام ـ وتلك فتنة عظيمة ـ لكانوا معه على ذلك . كما ساعدهم في العام الماضى أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا، ما بين ترك واجبات، وفعل محرمات، إما في حق الله، وإما في حق العباد . كترك الصلاة، وشرب الخمور، وسب السلف، وسب جنود المسلمين، والتجسس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين، وحريمهم . وأخذ أموال الناس، وتعذيبهم، وتقوية دولتهم الملعونة، وإرجاف قلوب المسلمين منهم، إلى غير ذلك من أنواع الفتنة .
ثم قال تعالى: { وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا } [ الأحزاب: 15 ] ، وهذه حال أقوام عاهدوا ثم نكثوا ـ قديمًا وحديثًا ـ في هذه الغزوة . فإن في العام الماضى، وفى هذا العام ـ في أول الأمر ـ كان من أصناف الناس من عاهد على أن يقاتل ولا يفر، ثم فر منهزمًا، لما اشتد الأمر .
ثم قال الله تعالى: { قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا } [ الأحزاب: 16 ] ، فأخبر الله أن الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل . فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون؛ ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: ( إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه ) . والفرار من القتل كالفرار من الجهاد . وحرف [ لن ] ينفى الفعل في الزمن المستقبل . والفعل نكرة . والنكرة في سياق النفى تعم جميع أفرادها . فاقتضى ذلك: أن الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة أبدًا . وهذا خبر الله الصادق . فمن اعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره .