والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن . فإن هؤلاء الذين فروا في هذا العام لم ينفعهم فرارهم، بل خسروا الدين والدنيا، وتفاوتوا في المصائب . والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدين والدنيا، حتى الموت الذى فروا منه كثر فيهم . وقل في المقيمين . فما منع الهرب من شاء الله . والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم أحد، ولا قتل، بل الموت قل في البلد من حين خرج الفارون . وهكذا سنة الله قديمًا وحديثًا .
ثم قال تعالى: { وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا } [ الأحزاب: 16 ] ، يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة، ثم تموتون . فإن الموت لابد منه . وقد حكى عن بعض الحمقى أنه قال: فنحن نريد ذلك القليل . وهذا جهل منه بمعنى الآية . فإن الله لم يقل: إنهم يمتعون بالفرار قليلًا . لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه أبدًا . ثم ذكر جوابًا ثانيًا: أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل . ثم ذكر جوابًا ثالثًا: وهو أن الفار يأتيه ما قضى له من المضرة، ويأتى الثابت ما قضى له من المسرة . فقال: { قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } [ الأحزاب: 17 ] .