ومن هنا يتبين لنا ويتضح جليا أن سبب الخلل الحاصل عند كثير من المتأخرين ممن كتب في الجهاد أو تحدث عنه, هو عدم التفريق بين أحكام جهاد الطلب وجهاد الدفع .
وقد نبه ابن تيمية رحمه الله على ذلك فإن زمانه مشابه لزماننا , فقد صال التتار على العراق والشام وغيرها من بلاد المسلمين وقام المتخاذلون في زمنه والمرجفون فقالوا لا مقام لنا بالشام وقال بعضهم لا طاقة لنا بالتتار .
ولما قابل القاعدين من العلماء في مصر وحرضهم على الجهاد تعللو بعللٍ ورثوها صاغرًا عن صاغر بصق في وجوههم، وأنطلق مجاهدًا ولم يقل نحن مستضعفون ونحتاج للتربية والإعداد مائة عام , وعلينا بالدعوة والحوار مع التتار , و قام لله قومةً صادقةً, وحرض الأمة وجيشها , وقاد المعارك تلوا المعارك , فنصره الله يوم علم صدقه , وأخرج التتار من بلاد المسلمين , وسطرت سيرته , وخلد ذكره , وذهب المخذلون , لأن التاريخ لا يسطر في صفحاته إلا العظماء ولا يخلد إلا ذكر الأبطال بل ويحفظ لهمم صدقهم وتضحياتهم ومواقفهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على اشتراط القاضي الزاد والراحلة في الجهاد إذا تعين فقال ( وما قاله القاضي من القياس على الحج لم ينقل عن أحمد , وهو ضعيف ؛ فإن وجوب الجهاد قد يكون لدفع ضرر العدو فيكون أوجب من الهجرة . ثم الهجرة لا تعتبر فيها الراحلة فبعض الجهاد أولى . وثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم( على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه ) فأوجب الطاعة التي عمادها الاستنفار في العسر واليسر , وهذا نص في وجوبه مع الإعسار ؛ بخلاف الحج هذا كله في قتال الطلب .