وقال الشيخ محمد رشيد رضا ( ت 1354 هـ ) في تفسيره هذه الآية: ( إنكم إذا مثلهم ) :
هذا تعليل للنهي: أي إنكم إن قعدتم معهم تكونون مثلهم وشركاء لهم في الكفر، لأنكم أقررتموهم عليه، ورضيتموه لهم، ولا يجتمع الإيمان بالشيء، وإقرار الكفر والاستهزاء به، ويؤخذ من الآية أن إقرار الكفر بالاختيار كفر ... إلى أن قال:
فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان، ويتأملوا كيف يمكن الجمع بين الكفر والإيمان، أو بين الطاعة والعصيان، فإن كثيرا من الملحدين في البلاد المتفرنجة يخوضون في آيات الله، ويستهزؤون بالدين، ويقرهم على ذلك ويسكت لهم من لم يصل إلى درجة كفرهم، لضعف الإيمان والعياذ بالله. اهـ كلامه .
* ففي الآيتين السابقتين دليل على أن: الاستهزاء بالمؤمنين صفة من صفات المنافقين. وقد تقدم في أول الكلام أنها صفة الكفار جميعا في كل زمان ومكان.
وقد روى الإمام أحمد في"مسنده"عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال:
قال: رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"ومن تشبه بقوم فهو منهم".
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية (ت 728هـ ) ـ رحمه الله تعالى ـ:
وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو أنه قال:"من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم، ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت: حشر معهم يوم القيامة".
فقد يحمل هذا على التشبه المطلق؛ فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك. وقد يحمل على أنهم منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرا، أو معصية، أو شعارا؛ كان حكمه كذلك. اهـ من"اقتضاء الصراط المستقيم": (1/237) .
والقدر المشترك في موضوعنا هذا هو الاستهزاء؛ وحكمه الكفر ـ ولا ريب ـ .
فمن شابههم فيه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.