الصفحة 25 من 29

وأما الأقسمة، فمعناها العلل التي قصدها الشارع بأحكام الأصول، ومن المعلوم أن الشارع أراد بتشريع الحكم مصلحة عرفها، وعرف وجه صلاحيتها، ما دمنا نقول: إن التشريع إنما هو لمصلحة العباد [1] . فمن وفق لاستخراج هذه العلة، وإلحاق ما وجد فيه ذلك بالأصل كان مصيبًا، ومن عداه كان مخطئًا [2] .

ومن ثم يقول الشوكاني: «فالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، أن الحق واحد ومخافة مخطئ مأجور إذا كان قد وفى الاجتهاد حقه، ولم يقصر في البحث بعد إحرازه لما يكون مجتهدًا» [3] .

تنبيه: هناك من يقول: «إن الخلاف بين المخطئة والمصوبة خلاف لفظي ولا ثمرة له» [4] .

أقول:(إن أراد المصوبة بقولهم: «إن كل مجتهد مصيب» أن كلًا لا يكلف إلا ما أوصله إليه اجتهاده، كما يدل عليه كلام الأكثرين [5] منهم، فهو صحيح لا يخالف فيه أحد؛ لأن الخلاف حينئذٍ يكون لفظيًا ولا ثمرة له.

أما إذا أرادوا بقولهم: «إن كل مجتهد مصيب» أن الله - سبحانه وتعالى- ليس له في الواقعة حكم معين قبل اجتهاد المجتهد، بل الحكم يتبع الظن، فهو قول مردود [6] . ولا أدل على رده - فضلًا عما تقدم- من أننا لو سلمنا بأن أحكام الله في الواقع إنما هي أحكام المجتهدين، يلزم من ذلك التسليم بأن أحكام الله تعالى تكون تابعة لظنون المجتهدين، وبالتالي يكون التناقض الحاصل فيما بينهم في الأحكام، إنما مرده إلى الله -سبحانه وتعالى- واعتبارها مجعولة كذلك من قبله، على رغم ما قد يكون فيها في الواقع من البعد عن المصالحة، وهو ما لا يمكن التسليم أو القبول به.

فضلًا عن أن الظنون من الحالات النفسية التي لا يمكن أن تقرر واقعًا أو تغيره، فمجرد الظن مفسدة في أمر ما لا يجعله فاسدًا، ولا يجعلها قائمة في الفعل أو موجودة إذا لم تكن موجودة فعلًا، فالحكم الظاهري لا يغير أو يبدل في الواقع شيئًا).

والله أعلم.

(1) الموافقات للشاطبي ج 2 ص:3.

(2) أصول الفقه للشيخ الخضري ص:378.

(3) إرشاد الفحول ص:262.

(4) شرح طلعة الشمس ج 2 ص:280.

(5) الإبهاج ج 3 ص:286، وأصول الفقه للشيخ الخضري ص:378.

(6) ويكون الخلاف حقيقيًا لا لفظيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت