الصفحة 24 من 29

الجواب: يجاب عن هذا بأن العامي إنما خير في التقليد لمن شاء؛ لكونه لا يعرف الأعلم، فضلًا عن عدم معرفته مآخذ المجتهدين [1] .

الدليل الخامس:

لو كان الحق واحدًا لأفضى ذلك إلى الضيق والحرج، وهما مرفوعان في الشريعة، يقول الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [2] . ويقول أيضًا: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [3] . فكان الحق متعددًا، والكل مصيب، وهو المطلوب.

الجواب: يجاب عن ذلك: بمنع الملازمة، فإن الله - سبحانه وتعالى- لم يكلف المجتهدين بإصابة الحق قطعًا حتى يوجد الضيق والحرج، وإنما كلفهم ظنهم، وجعل العمل بالظن كفيًا، ومما لا شك فيه أن الظن ممكن لكل مجتهد، وبذلك ارتفع الضيق والحرج في الدين [4] .

هذا: ونكتفي بهذا القدر من أدلة المصوبة.

الترجيح: من خلال ما تقدم يتضح لنا رجحان مذهب الجمهور القائل: «إن الحق واحد عند الله - سبحانه وتعالى- وأن المجتهد يخطئ ويصيب لسلامة أدلته من الاعتراض» ، ورده على أدلة المذهب القائل: «إن الحق متعدد» .

ومما يدل على رجحان مذهب الجمهور: إن أدلة الأحكام الشرعية إما نصوص وإما أقيسة ترجع إلى تلك النصوص، والنصوص قد يكون الخلاف فيها من أجل تأويلها، وقد يكون في صحة نسبتها إن كانت من أخبار الآحاد.

فأما التأويل والخلاف فيه، فإنا نعلم بداهة أن الشارع ما نص نصًا إلا وقد أراد به معنى معينًا، هذا المعنى قد يصيبه بعض المجتهدين وقد لا يصيبه، وأما الخلاف في أسانيد الأخبار، فإننا نعلم أن الحقيقة في ذلك واحدة لا تتعدد، فالخبر إما أن يكون قد قيل وإما لا، ولا يجوز الأمران معًا في حادثة واحدة، إلا إذا كان أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا؛ لأنه لا تعارض ولا تناقض بين الأخبار الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [5] فمن وفق لهذه الحقيقة فهو مصيب، ومن لم يصب هذه الحقيقة فهو مخطئ، فإذا روى بعض الرواة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو حلال، ورواه آخرون وهو محروم. فليس من الجائز أن يكون قد تزوجها وهو حلال محرم.

(1) الإحكام للآمدي ج 3 ص:227، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور/ حسن مرعي ص:148.

(2) الحج من الآية 78.

(3) البقرة من الآية 185.

(4) أصول الفقه للشيخ زهير ج 4 ص:241 - 242.

(5) الرسالة للإمام الشافعي ص:213 فما بعدها, وأصول السرخسي ج 2 ص:12، ومباحث الاجتهاد عند الأصوليين ص:188 معزوًا للمرجعين السابقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت