الصفحة 23 من 29

قوله - صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» [1] .

وجه الدلالة: إن وجه الدلالة من هذا الحديث هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الاقتداء بأي واحد من الصحابة موجبًا للهدى والوصول إلى الحق مع اختلافهم في الأحكام إثباتًا ونفيًا. فلو كان الحق واحدًا في المسألة لما كان الاقتداء بكل واحد منهم موجبًا للهدى، بل يكون الموجب له هو الاقتداء بمن أصابه فقط. ومن ثم يكون الأمر باتباعهم دليلًا على أن كل واحد منهم على الحق، فالحق متعدد والكل مصيب.

الجواب: يجاب عن هذا بأن هذا الخبر ضعيف [2] ، ومع التسليم بصحته، فإن هذا الحديث مطلق فلا عموم له في المقتدى به، فيجوز أن يكون المقتدى به هو أخذ الرواية عنهم، وهذا متفق عليه، فإن كل واحد من الصحبة عدل مقبول الرواية، فهذا الحديث لا دلالة فيه على المدعي [3] .

الدليل الثالث:

لو تعين الحكم في المسألة الواحد لكان المخالف له حكمًا بغير ما أنزل الله، فيكون كافرًا؛ لقوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [4] . أو فاسقًا؛ لقوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [5] .

لكن المتفق عليه أن المخالف للحكم ليس كافرًا ولا فاسقًا، فكان حاكمًا بما أنزل الله، فيكون حكم الله في المسألة الواحد متعددًا، وهو ما ندعيه.

الجواب: يجاب عن ذلك: بمنع الملازمة لجواز أن يكون الحكم واحدًا، والمخالف له حاكم بما أنزل الله - سبحانه وتعالى - أمر المجتهد أو يحكم بما وصل إليه اجتهاده، ولم يكلفه بإصابة الحق المعين، فالمجتهد يخطئ ويصيب [6] .

الدليل الرابع:

لو كان الحق واحدًا لما ساغ لأحد من العوام تقليد أحد من العلماء إلا بعد الاجتهاد والتحري فيمن يقلده- وليس كذلك بل هو مخير، وحيث خير في تقليد من شاء دل على التساوي بين المجتهدين، فإن الشرع لا يخير إلا في حالة التساوي، فثبت أن الكل مصيب [7] .

(1) جامع بيان العلم وفضله ج 2 ص:91.

(2) هذا الحديث أخرجه ابن عبد البر من حديث ابن عمر، وذكره بإسناد فيه الحارث بن غصين، ثم قال: «هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غصين مجهول» .

المرجع السابق، وتعليق الشيخ عبد الرازق عفيفي على الإحكام ج 4 ص:150.

(3) الإحكام للآمدي ج 3 ص:227، وشرح العضد ج 2 ص:298، وأصول الفقه للشيخ زهير ج 4 ص:241.

(4) المائدة من الآية: 44.

(5) المائدة من الآية: 47

(6) الإبهاج ج 3 ص:480، وأصول الفقه للشيخ زهير ج 4 ص:240، 241، ومباحث الاجتهاد عند الأصوليين ص:184.

(7) الإحكام للآمدي ج3 ص:227، والمستصفى ج 2 ص:362، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور/ حسن مرعي ص:148، والاجتهاد عند الأصوليين ص:185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت