وهناك من يقول [1] : إنه مصيب ابتداء ومخطئ انتهاء، أي مصيب ابتداء في نفس الاجتهاد، وطلبه في حق العمل به، حتى أن عمله يقع صحيحًا شرعيًا حتى كأنه أصاب الحق عند الله تعالى. ومخطئ انتهاء؛ أي: في إصابة المطلوب وهو الحق عند الله تعالى يغيب عنه وجه إصابته.
ويرد أصحاب هذا القول على ما استدل من قال: «إن الخطأ يكون ابتداء وانتهاء؛ بأن الخطأ المطلق لا يستوجب الأجر، ومن ثم فقول الرسول - صلى الله عليه وسلم-: «إذا حكم فأخطأ فله أجر واحد» يدل على أنه ليس الخطأ الكامل، فتعين أن يكون الخطأ فيما هو الحق لا في نفس الاجتهاد» [2] .
ومن ثم يكون الرأي المختار هو القائل: «إنه مصيب ابتداء، ومخطئ انتهاء؛ لأنه لا يمنع في الأقيسة الشرعية والأدلة الظنية أن تتناقض المطالب والأحكام مع رعاية الشرائط بقدر الوسع، ولهذا وصف الله - تبارك وتعالى- اجتهاد داود - عليه السلام - بالحكم والعلم في مقام الثناء عليه مع كونه خطأ بدلالة سوق الكلام في تخصيص سليمان - عليه السلام - بإصابة الحق، فلو كان خطأ من كل وجه لما كان حكمًا وعلمًا، بل جهلًا وخطأ [3] .
فائدة: نقل عن الأئمة الأربعة القول: بأن كل مجتهد مصيب، وهذا القول يحمل على أنه مصيب ابتداء أي مصيب في نفس الاجتهاد ابتداء في حق العمل مع أن الحق واحد يحتمل الخطأ والصواب.
يقول الرهاوي: «وما نقل عن أبي حنيفة بأن كل مجتهد مصيب محمول على أنه مصيب ابتداء، إذا لا يجوز أن يكون مراد الإمام بذلك أنه مصيب انتهاء لما هو عند الله تعالى من الحكم الثابت في الحادثة؛ إذ الحق حينئذ يكون متعددًا عند الله تعالى لا واحدًا والإمام غير قائل بهذا» [4] .
ومما يدل على ذلك أيضًا تصريحهم بتخطئة البعض، وقولهم في الفروع [5] : «مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب» [6] .
ثانيًا: أدلة المصوبة:
استدل المصوبة على رأيهم بأدلة كثيرة نكتفي بذكر أهمها فيما يلي:
الدليل الأول:
قول الله سبحانه وتعالى: (وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) وقد تقدم الكلام على وجه الدلالة من هذه الآية في الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة التي اعترض بها الغزالي على ما استدل به الجمهور، وقد ورد على ذلك هناك.
الدليل الثاني:
(1) من القائلين بذلك: الأئمة الأربعة.
(2) شرح المنار وحاشية الرهاوي ص 827، وتيسير التحرير ج 4 ص 202، والتلويح ج 2 ص:120.
(3) حاشية الرهاوي ص:828.
(4) حاشية الرهاوي ص:827.
(5) يقول الرهاوي في حاشيته ص:826: «يقال في الأصول: مذهبنا حق، ومذهب الخصم باطل، وفي الفروع: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب الخصم خطأ يحتمل الصواب» .
(6) رفع الحاجب ج 2 ص:382، وشرح العضد ج2 ص:293، وحاشية الرهاوي ص:826.