والمجتهد ليس مطلفًا بإصابة الدليل لخفائه، فمن ظفر به فهو مصيب وله أجران، ومن لم يظفر به فهو مخطئ ومعذور [1] في خطئه وله أجر واحد.
وهذا القول هو المختار، وهو أن الحكم عليه دليل ظني، وأن المخطئ فيه معذور، بل مأجور.
السؤال الثاني:
بناء على القول بأن المخطئ مأجور، فالتساؤل هنا: علام يؤجر المخطئ؟.
الجواب: قيل: «إنه يؤجر على القصد إلى الصواب، ولا يؤجر على الاجتهاد، حيث أفضى به إلى الخطأ، ولا أجر على الخطأ. كما لو أن هناك شخصين رميا إلى كافر، فأصابه أحدهما، فإنه يؤجر على القصد والإصابة معًا، أما من أخطأ، فإنه يؤجر على قصد الإصابة فقط» .
وقيل: «إن المخطئ يؤجر على القصد والاجتهاد معًا، حيث إنه بذل ما في وسعه في الوصول إلى الحق والوقوف عليه» [2] ويقول المحلاوي [3] : «إنه يثاب على امتثاله أمر الله في طلب الحق، ويمثل لذلك بالأمير إذا ضل فرسه، فأمر غلمانه أن يطلبوه، فخرج كل واحد منهم إلى طريق غير طريق صاحبه، ولا شك أن الفرس يكون في جانب واحد، وقد وجب على كل واحد منهم طلب الفرس، ولكن لم يجب على كل واحد منهم إصابة الفرس؛ إذ ليس في وسعهم ذلك، وإذا وجد واحد منهم الفرس ولم يجده الآخرون، فإن الأمير يثيب كل واحد منهم لامتثال أمره في طلبه، وإن زاد الواجد» .
السؤال الثالث:
هل الخطأ يكون ابتداء وانتهاء، أو يكون ابتداء فقط؟
الجواب: هناك رأيان للعلماء: فمن قائل [4] : «إن المجتهد إذا أخطأ كان مخطئًا ابتداء وانتهاء. ابتداء في اجتهاده، وانتهاء فيما أدى إليه اجتهاده وانتهى إليه سعيه، وهو الحكم في نفس الأمر» .
واستدل القائل بهذا الرأي بقوله - صلى الله عليه وسلم-: «وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد» .
وجه الدلالة: إن النبي - صلى الله عليه وسلم- أطلق الخطأ، والمطلق ينصرف إلى الفرد الكامل، وهو المخطئ ابتداء وانتهاء. فهذا دليل على أن المجتهد إذا أخطأ يكون مخطئًا ابتداء وانتهاء.
(1) الشوكاني في إرشاد الفحول ص:261 يقول: «ومن قصر عنه وفقد الصواب فهو مخطئ ولا إثم عليه، ولا نقول: إنه معذور؛ لأن المعذور من يسقط عنه التكليف لعذر في تركه كالعاجز عن القيام في الصلاة، وهو عندنا قد كلف إصابة العين, لكنه خفف أمر خطابه, وأجر على قصده الصواب، وحكمه نافذ على الظاهر.
(2) التقرير والتحبير ج 3 ص:295، وتيسير التحرير ج 4 ص:202، وروضة الناظر ص:324.
(3) تسهيل الوصول للمحلاوي ص:322، 323، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ج 4 ص:490.
(4) من القائلين بذلك: أبو منصور الماتريدي.