أجيب: بأن الجمع بين المتنافيين بالنسبة إلى شخصين أيضًا ممتنع في شريعة نبينا - عليه السلام - لأنه مبعوث إلى الناس كافة [1] داع لهم إلى الحق بصريح النصوص أو معناها من غير تفرقة بين الأشخاص؛ لدخلوهم في العمومات على السواء.
يقول التفتازاني في «التلويح» [2] : «والأصوب أن يقال: يلزم الجمع بين المتنافيين بالنسبة إلى شخص واحد فيما إذا استفتى عامي لم يلتزم تقليد مذهب معين مجتهدين حنفيًا وشافعيًا فأفتاه أحدهما: بإباحة النبيذ، والآخر بحرمته، ولم يترجح أحدهما عنده، ولم يستقر علمه على شيء منهما، وأيضًا إذا تغير اجتهاد المجتهد، فإن بقى الأول حقًا لزم اجتماع المتنافسين بالنسبة إليه، وإلا لزم النسخ بالاجتهاد، وكذا المقلد إذا صار مجتهدًا» .
بعد انتهائنا من أدلة المخطئة، نطرح بعض الأسئلة التي تتصل بالرأي القائل: «إن الحق عند الله واحد، وإن المجتهد يصيب ويخطئ» وسأجيب عنها بإيجاز.
السؤال الأول:
الحكم المعين عند الله سبحانه وتعالى هل عليه دلالة قطعية أو عليه أمارة ظنية أو ليس عليه دلالة ولا أمارة؟.
الجواب: هناك خلاف بين العلماء في ذلك: فمن قائل: إن الحكم عليه دليل قطعي [3] ، ومن قائل: إن الحكم المتعين عند الله سبحانه وتعالى ليس عليه دليل ولا أمارة، بل هو كدفين يعثر عليه المجتهد اتفاقًا، فمن وجده فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد [4] .
وقال جمهور الفقهاء [5] : إن على الحكم أمارة ظنية؛ أي: قد نصب عليه ما يفيده ظنًا.
(1) قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) سبأ: من الآية 28.
(2) ج 2 ص:120.
(3) من القائلين بهذا: بشر المريسي, وأبو بكر الأصم، كما اتفق أصحاب هذا القول على أن المجتهد مأمور بطلب هذا الحكم، فإن وجده فهو مصيب، وإلا فهو مخطئ، ولكن المخطئ لا إثم عليه، ولا يستحق العقاب عندهم, ما عدا بشر المريسي حيث قال: «إنه يأثم ويستحق العقاب» .
وقوله هذا باطل حيث إنه محجوج بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) الأحزاب من الآية 5، ومن السنة قول الرسول - صلى الله عليه وسلم-: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» الجامع الصغير للسيوطي ج 4 ص:34.
ومن الإجماع: هناك إجماع من الصحابة والتابعين قبل ظهور المخالف على ترك النكير على المختلفين في الأحكام الاجتهادية، فيكون هذا إجماعًا منهم على عدم التأثيم.
المستصفى ج 2 ص:361، والإبهاج ج 3 ص:276، وفواتح الرحموت ج 2 ص:379 والتلويح ج 2 ص:118، وشرح طلعة الشمس ج 2 ص:280، وأصول الفقه للشيخ الخضري ص:400. وغير ذلك من المراجع, وهذا المذهب باطل؛ لأن النزاع في الظنيات وليس في القطعيات.
(4) هذا القول نسبه ابن السبكي والبيضاوي وغيرهما إلى بعض المتكلمين. الإبهاج ج 3 ص:278، والمنهاج ج 3 ص:206، ومباحث الاجتهاد عند الأصوليين ص:172.
(5) منهم الأئمة الأربعة، وكثير من المتكلمين، وأكثر الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة. التقرير والتحبير ج 3 ص:295، وتيسير التحرير ج 4 ص:202، وكشف الأسرار للبخاري ج 4 ص:22، والتلويح ج ص:118، وشرح المنار ص:825.