وما روي عن ابن مسعود أنه قال في «فتاويه» [1] : «هذا ما أراه فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن ابن أم معبد» [2] . كما روي عنه مثل قول أبي بكر: «فإن يكن صوابًا فمن الله تعالى، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان» .
وما روي أيضًا من قول عمر لعلي في المجهضة وهي التي أسقطت جنينًا ميتًا خوفًا من عمر حيث استحضرها، وسأل من حضره عن حكم ذلك، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: «إنما أنت مؤدب لا نرى عليك شيئًا» ثم سأل عليًا: «ماذا تقول؟» فقال: «إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ - يعني عثمان وعبد الرحمن بن عوف - وإن لم يجتهدا فقد غشاك، عليك الدية» .
وغير هذا كثير [3] مما يفيد التواتر المعنوي [4] في مثل هذا، وهو صريح في أن الحق واحد من أصابه فهو مصيب مأمور مرتين، ومن أخطأه فهو مصيب ابتداء -على الراجح- كما سيأتي- ومخطئ انتهاء وهو مأجور مرة واحدة.
ويستدل الرهاوي في «حاشيته» بالإجماع على أنه الحق، فيقول: «وأما الإجماع، فهو أن الأمة قد اجتمعت على شرعية المناظرة بين المجتهدين، ولو كان كل مجتهد مصيبًا فيما أدى إليه اجتهاده لم يكن للمناظرة فائدة؛ إذ لا فائدة لها إلا الإصابة ومعرفة الحق وتمييزه عن الخطأ، وإظهار الصواب، وتصويب الجميع ينفي ذلك» [5] .
(د) من المعقول:
لو قلنا: عن كل مجتهد مصيب لزم اجتماع المتقابلين، وهما الصحة والفساد، والحظر والإباحة، وهذا ممتنع؛ لاستلزم اتصاف الشيء بالنقيضين، والممتنع لا يكون حكمًا شرعيًا [6] .
فإن قيل: لا نسلم امتناع ذلك بالنسبة إلى شخصين، فإن التناقض لا يكون إلا عند اتحاد المحل.
(1) سُئِلَ ابن مسعود عن رجل تزوج امرأة فلم يفرض لها صداقًا ولم يمسها حتى مات، فقال- بعد اجتهاد-: «لها مثل مهر نسائها لا وكس ولا شطط» ثم قال ما قال في المتن. تيسير التحرير ج 4 ص:206 - 207.
(2) أي عبد الله - يعني نفسه - ولم يقل من ابن مسعود إشارة إلى أنه ابن امرأة من جنس ناقصات العقل لا يبعد الخطأ منه. تيسير التحرير ج4 ص:207.
(3) الإحكام للآمدي ج 3 ص:221، وكشف الأسرار للبخاري ج 4 ص:22، وتيسير التحرير ج 4 ص:206 - 207 والفقيه والمتفقه ج 8 ص:59، فما بعدها، والاجتهاد والمنطق الفقهي في الإسلام ص:29.
(4) صاحب شرح طلعة الشمس في ج 2 ص:283 يقول: «إن هذه الأخبار لم تبلغ حد التواتر في نقلها» ويجاب عن هذا بأن هذه الأخبار, وإن كانت آحادًا في نقلها, فإنها تفيد التواتر المعنوي- كما ذكر في المتن- وإلا لم تصلح للاستدلال على الأصول. التلويح ج 2 ص:119.
(5) حاشية الرهاوي ص:825، واللمع للشيرازي ص:74، والإحكام للآمدي ج3 ص:223، وتيسير التحرير ج 4 ص:207 - 208، ولكن جعل هذا الدليل دليلًا عقليًا، كما ذكر أدلة عقلية كثيرة غير هذا الدليل.
(6) التلويح ج 2 ص:120، وحاشية الرهاوي ص:825، وشرح العضد ج 2 ص:295.