الصفحة 18 من 29

إن هاتين الآيتين تفيدان أن في مجال الاستنباط والنظر حقًا متعينًا يدركه الراسخ في العلم [1] . أو المستنبط، فمن أصاب هذا الحق كان مصيبًا، ومن أخطأه كان مخطئًا ولكنه غير آثم [2] .

(ب) من السنة:

1 -ما رواه عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فاخطأ له أجر واحد) [3] .

2 -قوله - صلى الله عليه وسلم- فيما روته عائشة - رضي الله عنها - لأمراء الجيوش والسرايا: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تفعل، بل على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا» [4] .

وجه الدلالة من هذين الحديثين:

إن وجه الدلالة من هذين الحديثين وما في معناهما يدل على أن المجتهد قد يصيب الحكم المعين عند الله فيكون له أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، كما أنه قد يخطئ فلا يصيب الحق المتعين عند الله -بعد بذل جهده واستفراغ وسعه- فيكون له أجر واحد فقط وهو أجر الاجتهاد.

كما أن الإنزال على حكم أمير الجيش أو السرايا دون الإنزال على حكم الله دليل على أن الحق في مسائل الاجتهاد مع واحد؛ لأنه لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا.

ومن ثم فليس كل مجتهد مصيبًا للحق المتعين عند الله تعالى [5] .

(ج) من الإجماع:

فقد انعقد إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - قبل ظهور المخالف على إطلاق الخط في الاجتهاد, فقد اشتهر عنهم في وقائع لا تحصى إطلاق الخطأ على المجتهدين من غير نكير، فكان ذلك إجماعًا منهم على أن الحق من أقوالهم ليس إلا واحدًا، وأن المجتهد يخطئ ويصيب.

ومن أمثلة ذلك: ما روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال في الكلالة [6] : «أقول فيها برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان» . وقد خطأ على وزيد بن ثابت وغيرهما ابن عباس في ترك العول، كما خطأ ابن عباس الصحابة الذين قالوا بالعول.

(1) هذا لا يتأتى إلى على قراءة الوصل.

(2) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور/ حسن مرعي ص:146.

(3) صحيح البخاري بشرح إرشاد الساري ج 12 ص:257، وسبل السلام للصنعاني ج 4 ص:1460.

(4) سبل السلام ج 4 ص:1342.

(5) الإبهاج ج 3 ص:279، وروضة الناظر ص:222، وسبل السلام ج 4 ص:146، وأصول الفقه للشيخ زهير ج 4 ص:240.

(6) الكلالة: هي ما خلا الوالد والوالد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت