أولًا: أدلة المخطئة:
استدلال القائلون بأن الحق واحد، وأن المجتهد يخطئ ويصيب بأدلة كثيرة [1] من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.
(أ) من الكتاب الكريم:
1 -قول الله - سبحانه وتعالى-: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ* فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا, ) [2] .
وجه الدلالة:
ووجه الاستدلال من هذه الآية: هو أن الله - سبحانه وتعالى - أخبر بأن سليمان اختص بأنه أدرك الحق في القضية، فهو المصيب وحده فيما قضى، ولو كان كل من داود وسليمان قد أصاب الحق لم يكن لتخصيص سليمان بالذكر فائدة، وهذا دليل على أن الحق واحد وهو ما قضى به سليمان [3] .
اعتراض:
اعترض الغزالي على الاستدلال بهذه الآية من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول:
كيف يصبح أن يقال: «إنهما حكما بالاجتهاد, ومن العلماء من يمنع اجتهاد الأنبياء عقلًا، ومنهم من يمنعه سمعًا، ومن أجاز الاجتهاد لهم أحال الخطأ عليهم، فكيف ينسب الخطأ إلى داود عليه السلام؟ ومن أين يعلم أنه قال ما قال عن اجتهاد [4] ؟» .
الجواب: يجاب عن هذا الاعتراض بالطقع بأن حكمهما كان عن اجتهاد؛ لأنه لو كان بالوحي لما جاز لسليمان مخالفته، ولما جاز لداود الرجوع عنه إلى قول سليمان, فالحكم إذن كان بالاجتهاد, وأصاب سليمان الحق المتعين عند الله, فالحق واحد [5] .
الوجه الثاني:
أن الآية تدل على القول بأن كل مجتهد مصيب، حيث يقول الغزالي [6] : «إن الآية تقول على نقيض مذهب القائلين بالتخطئة، حيث قال الله فيهما: (وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) والباطل والخطأ يكون ظلمًا
(1) سأكتفي بذكر أهم الأدلة.
(2) الأنبياء: الآية 78 وجزء الآية 79.
(3) التوضيح لصدر الشريعة ج 2 ص:239، والإحكام للآمدي ج 4 ص:184، وروضة الناظر لابن قدامة ص:322 فما بعدها، والاجتهاد والمنطق الفقهي في الإسلام دكتور/ مهدي فضل الله ص:78 وما بعدها.
(4) المستصفى ج 2 ص:372.
(5) كشف الأسرار للبخاري ج 4 ص:22، والإحكام للآمدي ج 3 ص:220، فما بعدها، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور/ حسن مرعي ص:144، ومباحث الاجتهاد عند الأصوليين ص:177 - 178.
(6) الغزالي في المنخول ص:453 قد عبر عن رأي أستاذه إمام الحرمين فكان مع المخطئة، وفي كتابه المستصفى يرى أن الكل مصيب.