المبحث الثالث
حكم الاجتهاد من حيث التخطئة والتصويب
تمهيد:
إن الكلام في هذا المبحث سيكون - بعون الله- في الاجتهاد الفقهي فقط؛ أي: حكم الاجتهاد في الشرعيات الفرعية [1] صوابًا وخطأ، ولن نتعرض لحكم الاجتهاد في أصول الاعتقاد [2] ، حيث إن محل هذا علم الكلام.
فأقول - وبالله التوفيق-: «إن ثمة اتفاقا بين العلماء على جواز الاجتهاد في الشرعيات الفرعية الظنية, ولكن بعد اتفاقهم هذا، اختلفوا في: هل كل مجتهد مصيب, أو أن المصيب في الاجتهاديات واحد فقط ومن عداه مخطئ؟» .
منشأ الخلاف:
إن منشأ الخلاف ومبعثه هو: هل لله - سبحانه وتعالى- في كل مسألة حكم معين قبل اجتهاد المجتهد؟ أو ليس لله تعالى فيها حكم معين قبل اجتهاد المجتهد وإنما حكمه فيها ما وصل إليه المجتهد في اجتهاده؟.
فمن رأى أن لله - سبحانه وتعالى- حكمًا معينًا قبل الاجتهاد ذهب إلى إن الحق واحد، وأن المجتهد يخطئ ويصيب, ومن رأى أنه ليس لله حكم معين قبل اجتهاد المجتهد ذهب إلى تصويب كل المجتهدين، حيث إن ما وصل إليه المجتهد باجتهاده هو حكم الله - سبحانه وتعالى- في المسألة التي كلف به فيها.
ومن ثم يتضح لنا أن هناك فريقين من العلماء:
فريقًا يقول بتصويب كل المجتهدين [3] .
وفريقًا يقول: «ليس كل مجتهد مصيبا، فالمصيب واحد فقط, ومن عداه مخطئ» [4] .
ولكل من الفريقين أدلة، بيانها فيما يلي:
(1) المقصود بهذا: الأحكام الشرعية الفرعية التي تكون غير قطعية؛ لأن الأحكام الفقهية القطعية، كوجوب الصلاة، وتحريم الزنا، وما إلى ذلك مما علم من دين الله قطعيًا, فالحق فيها واحد، والاجتهاد فيها غير جائز، حيث إنها أصبحت معلومة من الدين بالضرورة، ومن ثمَّ يكون المخطئ فيها آثمًا، ويكون منكرها كافرًا.
(2) الحكم الأصلي الاعتقادي المصيب فيه واحد عند جمهور العلماء باتفاق المصوبة والمخطئة، ومن عداه مخطئ، والمخطئ آثم، وقد نقل الإجماع على ذلك، ولا يعتد بخلاف الجاحظ والعنبري, ولا يقدح اختلافهما في إجماع الأمة المعصومة عن الخطأ. راجع ما تقدم بالتفصيل في: البرهان لإمام الحرمين ج2 ص:1316، والمستصفى ج 2 ص:372، وكشف الأسرار للبخاري ج 4 ص:16، وإرشاد الفحول ص:227، وشرح المنار لابن ملك ص:826، وفصول الأصول للسيابي ص:380 فيما بعدها، وشرح طلعة الشمس ج 2 ص:284 وما بعدها، وغير ذلك من المراجع الأصولية.
(3) من القائلين بهذا: القاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو علي الجبَّائي وابنه أبو هاشم، وأبو الحسين البصري، والإباضية العمانيون إلا ابن بركة، وكذلك مذهب أبي يعقوب الإباضي المغربي.
المعتمد لأبي الحسين البصري ج2 ص:960، والمستصفى ج 2 ص:372، ومسلم الثبوت ج 3 ص:380، وفصول الأصول للسيابي ص:370، وشرح طلعة الشمس ج 2 ص:279. وغير ذلك من المراجع.
(4) من القائلين بهذا: جمهور الأصوليين من أهل السنة والجماعة، منهم: الأئمة الأربعة، كما ذهب إلى ذلك الآمدي، والإمام فخر الدين الرازي، والقاضي البيضاوي، وفخر الإسلام البزدوي، وإباضية المغرب، وابن بركة من أهل عمان، وغيرهم كثير.
الإحكام للآمدي ج 4 ص:183، وشرح العضد ج 2 ص:293، 294، وتنقيح الفصول ص:438، وأصول السرخسي ج 2 ص:95، وفصول الأصول ص:370، وشرح طلعة الشمس ج 2 ص:279.