المبحث الثاني
الاجتهاد من حيث حكمه التكليفي
تمهيد:
لما كان الإسلام دين العقل الذي يحض على النظر والاعتبار، قال تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ) [1] ولما كان الإسلام جاء ليكون صالحًا لكل زمان وكان، ولما كانت النصوص [2] متناهية والوقائع غير متناهية، والمتناهي لا يفي بغير المتناهي، ولما لم يرد في الشريعة الإسلامية نص بحك كل حادثة، حيث لا يتصور ذلك ما دامت الحوادث تترى والزمان يتجدد.
ومعلوم أن الشريعة الإسلامية تحمل في طياتها طبيعة الاستجابة لمتطلبات واحتياجات كل عصر وكل مجتمع, ومن ثم لابد وأن يكون لها رأي في كل واقعة ينسجم مع أصول الإسلام وغاياته.
علمنا أن الاجتهاد في الإسلام أمر واجب حتى يكون لكل واقعة حكم معين، لكنه واجب كفائي بمعنى أنه إذا اشتغل في تحصيله إنسان واحد سقط هذا الواجب عن الجميع، أما إذا قصر في تحصيله الجميع, ولم يشتغل به أحد أثم الجميع بتركه.
يقرر الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في كتاب الموسوم بـ «الرسالة» : «إن الاجتهاد فيما ينوب عن العباد من فروع الفرائض فرض كفاية, شأنه شأن الجهاد وغيره من فروض الكفاية, إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركوه أثموا جميعًا» وسماه علم الخاصة؛ لأنه درجة عالية يسع العامة أن يجهلوه، ولا يسع الفقهاء أن يهملوه، وقرر الإجماع إلى عصره على ذلك [3] .
بعد هذا التمهيد نستطيع أن نقول: «إن الاجتهاد واجب على الكفاية هذا من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل, فإن الاجتهاد من حيث الحكم التكليفي الذي يتعلق به ينقسم إلى خمسة أقسام حسبما قرره علماء الأصول، بيانها فيما يلي»
(1) الحشر: من الآية 2.
(2) المقصود بالنصوص: نصوص القرآن الكريم, ونصوص السنة النبوية المطهرة.
(3) الرسالة ص:357 وما بعدها، ومباحث الاجتهاد عند الأصوليين للدكتور/ أحمد حمام ص:155 معزوًا للمرجع السابق.