الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ - وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ - ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ - إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية:16 - 19] ثم قال الله عز وجل: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20]
عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} الآية وقوله عز وجل: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} الآية وقوله عز وجل: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} وقوله عز وجل: {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا} وقوله عز وجل: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم} وقوله عز وجل: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله عز وجل المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله عز وجل] [1] .
وبعد هذه المقدمة النفيسة في الحذر من الفرقة ولزوم الجماعة فإن مما ابتلي المسلمون به في هذا العصر أن يختلفوا في أهم مسائل العقيدة وأخطرها ألا وهي مسألة الأسماء والأحكام والتي يسميها بعضهم مسائل الأيمان.
فإن النزاع في مسمى الإيمان من الأمور الذي لا يحمد عقباه والذي يؤدي إلى أن يرمي كل فريقٍ الآخر بألقاب السوء وصولًا إلى أن يُخرّج كل منهما الآخر من دائرة الإسلام، فقد خرجت طائفة في هذا العصر بقول محدث متناقض [2] في الإيمان فقالت
(1) الشريعة للآجري (ص9 - 12)
(2) لقد ذكر الدكتور عصام بن عبدالله السناني في كتابه [أقوال ذوي العرفان في أن أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان] والذي قام بمراجعته فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان، فقال:
قول محدث في مسألة الإيمان:
وفي عصرنا هذا مع الأسف وجد قول غريب محدث من قبل بعض أهل السنة السلفيين، خالفوا فيه أهل السنة في باب العمل ومنزلته من الإيمان، فجمع قائلوه بين مذهب الجماعة ومذهب مرجئة الفقهاء؛ حين نصوا على إدخال العمل في حقيقة الإيمان كما هو قول الجماعة، ثم تناقضوا بإخراجه؛ حين أثبتوا إمكان وجود إيمان في القلب ولو لم يظهر أي عمل على الجوارح؛ [لأنهم يقولون: العمل شرط صحة للإيمان، وبعضهم يقول شرط كمال] (4) ، وهذا هو قول المرجئة على الحقيقة الذين أرجأوا العمل عن الإيمان وبسببه قامت رحى المعركة بينهم وبين أهل السنة، وهؤلاء شابههوهم؛ لأن أولئك قالوا: الإيمان قول بلا عمل، وهؤلاء قالوا: الإيمان قول وعمل لكن يمكن أن يكون بلا عمل، ولو أمكن تخلف العمل كله عن الإيمان عند أهل السنة والجماعة لما قامت كل هذه الملاحم من عسكر أهل السنة مع المرجئة، ولما كان لهذا الخلاف معنى إذن.